الحرب بين الإيمان والاستخبارات: شهادة جيل خُدع باسم الجهاد! - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحرب بين الإيمان والاستخبارات: شهادة جيل خُدع باسم الجهاد! - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 21 يناير 2026 08:12 صباحاً

أتذكّر ذلك كما لو أنه حدث بالأمس. كنّا في بدايات المرحلة الثانوية، في عمرٍ يتشكّل فيه الوعي قبل أن يكتمل العقل، وكانت الدولة - بكل أدواتها - حاضرة في صياغة ما نرى ونسمع ونصدّق. داخل المدارس والنوادي، في قاعات النشاط والاجتماعات الثقافية، عُرضت علينا شرائط فيديو قيل لنا إنها توثّق «بطولات المجاهدين» في أفغانستان: دبابات تحترق، طائرات تسقط، رجال يهتفون بالتكبير، وكأن الصوت وحده يهزم السلاح.

لم تُقدَّم لنا تلك المشاهد بوصفها حربًا معقّدة أو صراع مصالح دولية، بل كمعركة كونية فاصلة:

الإيمان في مواجهة الإلحاد.لم يُقال لنا إن خلف الكاميرا غرف عمليات، ولا أن خلف الصواريخ تمويلًا وتسليحًا وتدريبًا، ولا أن خلف الحماسة حسابات باردة تُدار في عواصم بعيدة. كل ما كان مطلوبًا أن نؤمن… لا أن نفهم.

كانت تلك الشرائط أول درس عملي في كيف يمكن للدين أن يتحوّل إلى دعاية، وكيف يمكن للمدرسة والنادي معًا أن يصبحا امتدادًا للمنبر، وللسياسة أن تتسلّل إلى المجال العام تحت لافتة العقيدة. لم تكن المسألة تعليمًا أو نشاطًا ثقافيًا، بل تعبئة نفسية مبكرة، تُصاغ فيها العقول على إيقاع واحد، وتُختزل فيها الأسئلة الكبرى إلى شعارات جاهزة.

كبرنا، وسقطت الصور واحدة تلو الأخرى، وبقي السؤال معلقًا:

كيف خُدع جيل كامل باسم الجهاد؟

من هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

حين صُنِع الجهاد في غرف الحرب الباردة

بعد أكثر من أربعة عقود، لم تعد الرواية التي سادت في الثمانينيات قادرة على الصمود.ما جرى في أفغانستان لم يكن «جهادًا» بقدر ما كان فصلًا متقدمًا من فصول الحرب الباردة، أُعيد فيه توظيف الإسلام كأداة تعبئة في صراع دولي بين قوتين عظميين.

لم تكن أفغانستان سوى ساحة، ولم يكن الشباب سوى وقود، ولم يكن الدين سوى غطاء. العدو لم يُحدَّد وفق معيار أخلاقي أو ديني، بل وفق خريطة مصالح أمريكية واضحة:

، ، استنزاف الخصم السوفيتي بأدوات غير مباشرة، وبأقل كلفة ممكنة على الطرف المُحرّك.

الإسلام كزيّ تنكري

ما سُمّي بـ«الصحوة الإسلامية» لم يكن عودة إلى القيم بقدر ما كان انقلابًا شكليًا على المظهر. كان المطلوب صورة قابلة للتعبئة، لا مضمونًا أخلاقيًا. إسلام يُستخدم كملصق في فيلم الحرب الباردة، لا كمنظومة عدالة وتحرر.

تحالف غير مقدّس

تشكل تحالف مركّب: سلطة سياسية تبحث عن توازن، مؤسسات دينية تمنح الغطاء، حركات أيديولوجية تستثمر اللحظة، ورعاة دوليون يديرون المشهد.فُتحت الأبواب، وسُهّلت الطرق، وتحولت أفغانستان إلى «قبلة الجهاد»، بينما ظلّت 《القدس》 خارج الحسابات.

وهنا السؤال الفاضح:

لماذا فُتح الجهاد هناك وأُغلق هنا؟ ومن كان يملك البوصلة؟

من الحرم إلى الجبال: تصفية الداخل باسم الخارج

لم يكن الدفع بالجماعات المتشددة إلى أفغانستان قرارًا عقائديًا فقط، بل خيارًا أمنيًا. فمع مطلع القرن الهجري الرابع عشر، اهتزّ الداخل السعودي على وقع اقتحام الحرم المكي في أول فجر من العام 1400هـ، حين قادت جماعة مسلّحة بزعامة جهيمان العتيبي ومحمد بن القحطان تمرّدًا صادمًا كشف خطورة التيارات المتشددة حين تنقلب من أداة إلى تهديد.

منذ تلك اللحظة، صار وجود هذه الجماعات عبئًا يجب التخلص منه. لم يكن الحل في المواجهة الفكرية العميقة، بل في تفريغ الساحة: فتح بوابة «الجهاد الخارجي»، وإرسال من تبقّى من جماعة «الجماعة السلفية المحتسبة» وأشباهها إلى ميادين بعيدة. هناك، خارج الحدود، تحوّلوا تدريجيًا إلى نواة تنظيمية جديدة عُرفت لاحقًا باسم {القاعدة}

هكذا التقت الحاجة الأمنية المحلية مع الاستراتيجية الأمريكية العالمية: التخلص من خطر داخلي، واستنزاف خصم دولي، تحت شعار واحد يُجمِع الجميع ولا يُحاسِب أحدًا.

الفتوى كوظيفة سياسية

حين تصدر الفتوى متزامنة مع مصلحة دولية، ثم تُسحب بانتهائها، فإننا أمام خطاب ديني مُسخَّر. الإيمان لا يُدار بالخرائط، لكن «الجهاد» هنا أُدير كملف: يُفتح حيث تريد واشنطن، ويُغلق حين تنتهي المهمة.

وحين خرج السوفييت ودخل الأمريكيون، صمتت الأصوات نفسها. اختفت اللغة نفسها. وكأن الاحتلال تغيّر وصفه الشرعي بتغيّر الراعي.

تصدير الأزمة والتخلص من العبء

كان «الجهاد» وسيلة لتصدير أزمة داخلية: شباب مؤدلج يصعب احتواؤه. أفغانستان كانت صمام أمان. هناك التقت المصالح، ودُفعت الشعوب الثمن.

الخلاصة: من خان من؟

لم تكن المعركة بين الإيمان والإلحاد، بل بين مشروعين دوليين.

لم يكن الشباب مجاهدين بقدر ما كانوا أدوات.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لدينٍ ما، أن يدخل غرفة الاستخبارات.

ما لم يُعاد تعريف الإيمان خارج حسابات الدول، ستظل الشعوب تُستدعى إلى الحروب الخطأ تحت الشعارات الصحيحة.

اقرأ أيضاً
التاريخ حين يخلع تماثيله قبل أن يخلع أنظمته!!

مصر - إيران.. المؤامرة تنتقل إلى الأطراف

العالم تحت حكم البلطجي الدولي.. من فتوة الحارة إلى دولة الاستخبارات العابرة للقانون

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق