نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
البحث عن إبرة في كومة قش - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 10 فبراير 2026 03:38 مساءً
لم يعد العثور على عامل أو عاملة منزلية مدرَّبة وأمينة في مصر أمرًا يسيرًا، بل أصبح أقرب إلى البحث عن إبرة في كومة قش، فاحتياجات الأسر اليوم تتعاظم، وضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية تتزايد، حتى باتت الاستعانة بمساعدة منزلية – للتنظيف أو الطهي أو رعاية المسنين أو الأطفال – ضرورة واقعية تفرضها ظروف العصر، لا ترفًا اجتماعيًّا.
لم يعد عمل المرأة خيارًا تكميليًّا أو رفاهية يمكن الاستغناء عنها، فكثير من الأسر يعتمد اعتمادًا أساسيًّا على دخل الزوجة إلى جانب الزوج، بل إن هناك نساء يتحملن مسؤولية الإعالة كاملة بعد الطلاق أو وفاة الزوج.
كما أن من حق المرأة التي تعلّمت واجتهدت وحصلت على مؤهل علمي أن تعمل، وأن تحقق ذاتها، وأن تؤمّن مستقبلها بالادخار، حتى وإن لم تكن مشاركة في مصروفات المنزل، ولا أحد يضمن ما يحمله الغد.
وفي هذا السياق، من المهم ترسيخ فكرة جوهرية: إن المساعدة المنزلية تؤدي عملًا مهنيًّا كما تؤدي صاحبة المنزل عملها في مؤسستها أو شركتها، كلٌّ حسب تخصصه ومهاراته، فالمرأة العاملة خارج البيت تخضع لمعايير أداء، وتُكلَّف بمهام محددة، ويحاسبها مديرون على جودة عملها وإنجازه؛ ومن ثم فلا حرج ولا انتقاص من كرامة أحد في أن تحدد صاحبة العمل – داخل المنزل – مهام واضحة للمساعدة، في إطار من الاحترام المتبادل والعقد العادل ، فالعمل المنظم القائم على الوضوح ليس إهانة، بل هو صون للحقوق، وضمان لجودة الأداء، وحماية للطرفين من سوء الفهم .
وفي المقابل ليس بالضرورة أن تكون كل امرأة عاملة خارج منزلها فقط من تحتاج لمساعدة فمن حق ربة البيت أن تهتم بصحتها، وأن تحافظ على طاقتها النفسية والجسدية، وأن تتفرغ لرعاية زوجها وأبنائها، وتقديم الدعم النفسي والتربوي لهم، وأن تترك الأعمال المنزلية لمتخصصة تؤديها باحتراف.
كما أن هناك آباء فقدوا زوجاتهم وأصبحوا وحدهم في مواجهة مسؤوليات البيت وتربية الأبناء، وهم في حاجة حقيقية إلى مساعدة تعينهم على تنظيم شؤون المنزل ليتفرغوا لدورهم الأبوي.
ولا تقتصر الحاجة إلى المساعدات المنزليات على النساء فقط ، فهناك أسر تحتاج إلى مساعدين من الرجال، سواء لرعاية مسنٍّ رجل تتطلب حالته وجود مرافق من الجنس نفسه، أو في بيوت أرامل لديهم أبناء شباب، حيث يفرض الاعتبار الاجتماعي والخصوصية وجود مساعد رجل يقوم بالأعمال المنزلية أو مهام الرعاية اللازمة.
إن تنوع احتياجات الأسر يفرض تنوعًا مماثلًا في طبيعة العمالة المطلوبة، بما يحفظ الخصوصية والاعتبارات الثقافية.
أما رعاية المسنين، فهي باب واسع من أبواب الاحتياج الإنساني العاجل فآلاف الأسر لديها آباء وأمهات في أعمار متقدمة، بعضهم يعيش بمفرده، وبعضهم يقيم في بيوت أبنائه ، وهؤلاء يحتاجون إلى من يعينهم على الحركة، ويسندهم بدنيًّا، ويتابع انتظام أدويتهم، ويجيد التعامل مع الحقن أو تغيير الضمادات أو متابعة الأمراض المزمنة ، إنها مسؤولية إنسانية دقيقة لا تحتمل العشوائية ، وتتطلب تدريبًا مهنيًّا حقيقيًّا، وصبرًا، ورحمة، وضميرًا حيًّا.
المفارقة المؤلمة أن كثيرين يشكون ضيق الحال، ويحمّلون الدولة مسؤولية تردي أوضاعهم، وربما يمدّ بعضهم يده طلبًا للمعونة، بينما يُعرض عليهم عمل شريف بمقابل مادي مناسب، وإقامة كاملة، ووجبات، فيرفضونه وكأن في العمل انتقاصًا من الكرامة! أو يقبلونه بلا التزام حقيقي، فيؤدّونه بغير أمانة أو احتراف، بل قد يصل الأمر إلى خيانة الثقة أو الإهمال أو السرقة، وهي ممارسات تُلقي بظلال من الشك على هذا المجال بأكمله، رغم أن الأصل فيه أنه وظيفة كسائر الوظائف، لها واجبات كما لها حقوق.
إن المشكلة الأكبر أن هذا القطاع في مصر يعمل في إطار عشوائي، بلا تنظيم مؤسسي واضح ولا رقابة كافية.
وفي ظل عزوف بعض المواطنين عن الالتحاق بهذه المهنة، اتجهت بعض الأسر إلى الاستعانة بعمالة غير مصرية، أحيانًا برواتب تُدفع بالعملة الأجنبية ، ومصر، بما تضمه من ملايين الباحثين عن فرص عمل، أولى بهذه الفرص إن أُحسن تنظيمها وتقنينها.
بالطبع لا يمكن إغفال مخاوف العاملين أنفسهم؛ فبعضهم يخشى سوء معاملة أصحاب البيوت أو التعرض للاستغلال أو الأذى، وهو تخوف مشروع يستدعي إطارًا قانونيًّا عادلًا يحمي الجميع.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تدخل منظم من الدولة، فيمكن للحكومة ممثلة في وزارة التضامن الاجتماعي وبالتعاون مع وزارة الداخلية، أن تفتح باب التقديم للراغبين في العمل في هذا المجال، مع توفير برامج تدريب مهني ونفسي متخصصة في أعمال النظافة، والطهي، ورعاية الأطفال، وتمريض المسنين. كما ينبغي إجراء الفحص الجنائي اللازم، وإنشاء مكاتب معتمدة وموثوقة تكون وسيطًا قانونيًّا يضمن حقوق الطرفين، ويضع عقودًا واضحة، وآليات للمتابعة والمساءلة.
كما يمكن دراسة دمج الشباب الذين بلغوا السن القانونية لمغادرة دور الأيتام، وهي مرحلة حرجة في حياتهم، عبر تدريبهم وتأهيلهم لهذه المهنة في إطار يحفظ كرامتهم، ويوفر لهم مصدر دخل كريمًا، ويمكّنهم من ادخار ما يساعدهم على بناء مستقبل مستقر، وربما يجد بعضهم في هذه البيوت احتواءً إنسانيًّا يعوضهم عن فقدان الأسرة.
إن مصر ليست دولة عاجزة عن سد احتياجاتها من العمالة المنزلية، ولا ينبغي أن تتحول هذه المهنة إلى مساحة للفوضى أو الشك أو الاستقدام غير المنظم ، بل يمكن من خلال رؤية واضحة وتنظيم رشيد، أن تتحول إلى قطاع مهني محترم يخدم الأسر، ويوفر فرص عمل كريمة، ويعزز قيم الأمانة والانضباط.
فلماذا نظل نبحث عن إبرة في كومة قش، بينما الحل يكمن في تنظيم حقيقي يوازن بين احتياجات البيوت وكرامة من يعملون فيها، ويصون حقوق الجميع؟
أليس الأجدر بنا أن نحول هذه الفوضى إلى منظومة عادلة تساعد في فتح باب رزق للعديد من المحتاجين وتقدم خدمة محترمة للمواطنين وتحفظ حقوق الجميع قبل كل شيء؟.. مجرد فكرة تستحق الدراسة والتجربة.


















0 تعليق