نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الطفل والانترنت: تجربة أوربا ومرآة مصر - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 02:43 صباحاً
صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية على قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون الخامسة عشر، في خطوة أثارت دهشة كثيرين، لكنها تحمل في جوهرها حقيقة مهمة أن العالم الرقمي الذي صنعناه بأيدينا صار يهدد أعز ما نملك في الحياة، وأصبح يتطلب تدخل الدولة مباشرة لحماية الطفولة . القانون يستثني الموسوعات والمصادر التعليمية والعلمية، ولا يمس خدمات المراسلة الخاصة.
وقد أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون رغبته في تطبيقه مع بداية العام الدراسي المقبل، مؤكدا أن القرار يأتي استجابة لتوصيات علمية ومطالب شعبية واسعة، بينما يبقى التطبيق الفعلي معلقا على تصديق مجلس الشيوخ[ الغرفة العليا فى البرلمان الفرنسي] مع التساؤل عن توافقه مع تشريعات الاتحاد الأوربي.
ما فعلته فرنسا ليس مجرد حظر ، بل اعلان صريح بأن الاستخدام المبكر والسائد لوسائل التواصل الاجتماعي يخلق مخاطر صحية ونفسية حقيقة. تقارير الهيئات الصحية الأوربية تثبت ارتباط هذا الاستخدام بالاكتئاب والقلق واضطرابات الصورة الذاتية لدي المراهقين، خاصة في سن الخامسة عشر وما دونها، المشكلة لم تعد فردية أو تربوية فقط بل أصبحت ظاهرة اجتماعية واسعة، تؤثر على الانتباه، وتفكك الارتباط بالمدرسة، وتزيد من حالات التنمر الالكتروني، لتجد الدولة نفسها مضطرة للتدخل حيث فشل السوق والأسرة معا.
وعندما ننظر في مصر، نرى واقعا مختلفا لكنه لا يقل إثارة للقلق . الانترنت متاح للأطفال على نطاق واسع، والهاتف المحمول أصبح أداة يومية للترفيه والتعليم، بينما يغيب الإطار القانوني المنظم، وتعتمد الرقابة أساسا على الأسرة التي قد لا تملك الوسائل أو المعرفة الكافية للمتابعة. الفرق بين السياقين ليس في حجم المشكلة، بل في طبيعة التعامل معها، أوربا ترى الخطر جليا وتهدف الى التحكم فيه، بينما في مصر يبق الأمر محاولة فردية متفرقة لا تشكل سياسة عامة واضحة.
ما حدث في فرنسا يضعنا أمام سؤال أعمق هل العالم الرقمي خطأ بشري محتمل، أم واقع جديد يجب تعلم العيش معه؟ حظر فرنسا ليس حلا نهائيا، بل صرخة تحذير بأن النموذج الذي وعد بالحرية والاكتشاف والتواصل تحول الي أداة للضغط النفسي والاجهاد الاجتماعي على الأطفال. اما في مصر فالخيار الواقعي ليس نسخ الحظر، بل بناء سياسية لحماية الطفل رقميا، تبدأ بالقوانين، وتستمر بالتثقيف والتوجيه، قبل أن يصبح التدخل لاحقا أكثر صعوبة وأشد قسوة.
وبينما نقرأ تجربة أوربا، نجدها مرأة نرى فيها أنفسنا الطفل اليوم لم يعد شأن الاسرة وحدها، والفضاء الرقمي لم يعد مكانا للتسلية فقط بل ساحة مؤثرة على نمو الشخصية وصحة النفس، السؤال الذي تطرحه فرنسا على نفسها، وتدعونا نحن للتأمل فيه، ليس متى تمنع، بل متى ندرك أن مسؤولية حماية الطفل في عصر الانترنت أصبحت جماعية، تتطلب الدولة والأسرة معا، وإلا صار الطريق أكثر تعقيدا وخطرا على الأجيال القادمة .















0 تعليق