نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
زلزال التخوين وهشاشة التنظيم.. دروس من عودة القيادي الإخواني الهارب - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 3 مايو 2026 05:51 مساءً
في عودة متجددة لمسلسل اتهامات التخوين المتبادل داخل التنظيم الإخواني المصري بالخارج، اندلع عراك كلامي جديد في الأسبوع الأخير من أبريل 2026، حول أسباب وملابسات عودة القيادي الإخواني ورجل الأعمال «م. ك» إلى مصر، بعد نحو عشر سنوات من الهروب والتنقل بين عدة دول، والتقرب من أصحاب المال والأعمال وصناع القرار الإخواني. واقترنت هذه العودة المفاجئة بصدمة وصمت لافت من قيادات الجماعة تجاه أسبابها وتداعياتها، لكن النبش في أسرار واقعة حدثت قبل عامين أعاد التساؤلات الحائرة إلى واجهة العراك الإخواني مرة أخرى.
في الثاني عشر من أغسطس 2024، أعلنت أسرة القيادي الإخواني «م. ك» أنه توفي داخل مصر، وحددت موعد تشييع جثمانه من مسقط رأسه في محافظة كفر الشيخ. وكشفت برقيات التعازي والمواساة المتبادلة عبر مجموعات التواصل الاجتماعي الإخوانية المغلقة، أنه عاد إلى مصر ونُقل إلى أحد المستشفيات وظل تحت العلاج حتى وفاته، ولم يصدر من الجماعة أي توضيح يجيب عن تساؤلات كثيرة من الأعضاء في الداخل والخارج حول أسباب وملابسات هذه العودة، وهل كانت طوعية أم قسرية؟
وفي سياق متصل، أشار أحد حلفاء الجماعة، في منشور عبر «فيسبوك»، إلى أنه تواصل مع القيادي الإخواني أثناء وجوده على سرير المرض، وسأله عن أسباب عودته، إلا أن الأخير اكتفى بالرد: "سوف أخبرك في وقت لاحق"، وهي إجابة زادت من حالة الغموض المحيطة بالواقعة، في ظل غياب روايات أخرى موثقة. واختارت الجماعة الصمت، ولم نسمع لسانًا إخوانيًا يتهم القيادي العائد بالخيانة أو العمالة، أو يتباكى عليه بمظلوميات تدعي أنه حُمِل قهرًا وقسرًا وسُلِّم إلى مصر، كعادتهم بعد عودة أحد الهاربين.
صفحات ملف القيادي الإخواني «م. ك» تقول إنه كان من قيادات الجماعة البارزين في مركز ومدينة بلطيم بمحافظة كفر الشيخ، وسبق وأن قبض عليه عدة مرات قبل أحداث يناير من العام 2011، فغادر البلاد وتنقل بين عدة دول لإدارة نشاط صناعي وتجاري كبير، إلى أن خرج "الإخوان" من باطن الأرض إلى ظاهرها بعد تخلي الرئيس حسني مبارك عن الحكم. فعاد إلى مصر مع استمرار نشاطه الصناعي والتجاري بين دول إفريقية، ودفعت به الجماعة إلى واجهة فعالياتها، وأصبح من أهم الأعضاء المؤسسين لحزب "الحرية والعدالة" الإخواني بمحافظة كفر الشيخ، وكانت تربطه صلات قوية بالشيخ أحمد المحلاوي وعدد من قيادات الجماعة في عدة محافظات.
كان القيادي الإخواني «م. ك» يدير أعماله من إحدى الدول الإفريقية وقت إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية في عام 2012، فانتقل إلى دولة إفريقية ثانية ليشارك في احتفالات نظمتها عناصر إخوانية هناك، بمناسبة صعود الجماعة إلى حكم مصر ثم عاد إلى مصر في عام 2013، في محاولة لنقل أهم أعماله إلى الداخل، ولكن اندلاع ثورة يونيو 2013 أفسد عليه وعلى الجماعة أحلام التمكين والتمدد والهيمنة، فاختفى عن الأنظار مبكرًا، إلى أن ظهر بين صفوف الإرهابيين المصريين الهاربين في دولة شقيقة.

سطور حركة تنقلاته المتعددة تقول إنه تنقل بين دولتين إفريقيتين، بداية من تاريخ 3 يونيو 2022، ليصل بسيارته الخاصة إلى دولة ثالثة تحت غطاء النشاط الصناعي والتجاري، وظل بعيدًا عن الأعين، إلى أن ظهر في صالات الترانزيت بمطار إحدى دول الملاذ الآمن بتاريخ 15 مايو 2023، وغادرها متوجهًا إلى مطار مدينة عربية. وبعد وصوله، انتقل من المطار إلى فندق في مدينة أخرى، حيث التقى عددًا من العناصر الإخوانية، وأجرى اتصالات هاتفية اعتذر فيها عن لقاء آخرين منهم، بادعاء أنه يعاني من آلام في القدم. وفي كل محطة من محطات السفر والتنقل، كانت لشركته أعمال تجارية تدعم أنشطة التنظيم وعلاقات الجماعة المتشابكة.
وتعكس هذه التحركات المكشوفة، وفق مصادر مطلعة، هشاشة التنظيم الذي يدعي القوة والتماسك، ويزعم أنه يمتلك العديد من الخطط الاستراتيجية، ويوهم تابعيه بأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من العودة إلى حكم مصر. كان القيادي الإخواني حاضرًا بمنشوراته الداعمة لجماعة "الإخوان" وحلفائها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي كانت موضع تقدير من شباب التنظيم، لكنه كان يغضب عددًا من القيادات عندما يكرر انتقاداته للخلافات الحادة بين الأجنحة الإخوانية، معتبرًا أن القيادي محمود حسين هو أهم أسباب الانقسام والتشرذم الذي أصاب الجماعة.
أحاديث أعضاء الجماعة عبر مجموعات التواصل الاجتماعي الخاصة المغلقة عليهم، عن عودة القيادي الإخواني «م. ك» المفاجئة إلى مصر في تاريخ غير معروف للكثيرين، ثم الإعلان عن وفاته يوم الإثنين 12 أغسطس 2024، كانت تحمل الكثير من الاتهامات لكبار القيادات الذين تسببوا بفشلهم المتلاحق في عودة أو تسليم أعضاء من الجماعة ومن كيانات الحلفاء، كما كانت تحمل همزًا ولمزًا يدعم اتهامات التخوين المتبادل.
وفقًا لما تحدثت به عناصر إخوانية عقب إعلان وفاته، كان القيادي «م. ك» مختلفًا عن غيره من الإخوان والمتأخونين العائدين إلى مصر طوعًا أو كرهًا، لأنه كان "صندوقًا أسود" يكتظ بحصاد سنوات من التوغل بين دهاليز الجماعة، والالتصاق بملفات التمويل وشبكات الاستثمار التي تدير أموال التنظيم في الخارج، ولديه قواعد بيانات محدّثة، يؤدي تسريبها إلى تعطيل وعرقلة مخططات الجماعة وحلفائه وداعميه ومصادر تمويله.
ختامًا، تظل عودة القيادي «م. ك» ووفاته داخل مصر فصلًا جديدًا في كتاب التآكل الداخلي للتنظيم، فبين صمت القيادات وضجيج الاتهامات، تتكشف هشاشة الهياكل التي لطالما أوهمت تابعيها بتماسك وقوة بنيان التنظيم والثقة المطلقة في قياداته. إن حالة الارتباك التي خلفتها هذه العودة، وغياب الرواية الموحدة، تؤكد أن الصفوف في الخارج تعاني من التشرذم وفقدان السيطرة على ملفات أصبحت بمثابة "صناديق سوداء" تهدد ما تبقّى من استقرار مزعوم.


















0 تعليق