
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
بين جميع أَنواع المسرح، يتَّخذ نوع الفودفيل (Vaudeville) حيَّزًا مستقلًّا في جمهوره، فيُقْبِل عليه مُستريحًا لِما يقدِّمه له من مواقف، فيها سوءُ التفاهم، والحوارُ الضاحك، والأَداءُ المركَّب الشخصيات وأَدوارِها، والـمَشاهدُ الكوميدية التي تقترب من التهريج لكنها، بذكاء المؤَلِّف، لا تقَع فيه. هذا ما أَمَّن نجاحًا واسعًا لانطلاق الفودفيل في الولايات المتحدة وكندا بين الربع الأَخير من القرن التاسع عشر (منتصف سبعيناته) والثلْث الأَول من القرن العشرين (حتى أَوائل ثلاثيناته). كان تشارلي تشابلن (1889-1977) أَحد رواده، ثم تَواصَلَ هذا الفن مع مجموعات ثنائية (“ستان لوريل وأُوليفر هاردي”، “بود أَبوت ولو كوستيلُّو”، …) فراج لاحقًا على معظم مسارح العالم.
جرأَة على “التابو”
من قواعد الفودفيل أَن يكون كوميديًّا خفيفًا لطيفًا نظيفًا، مبنيًّا على إِيقاع سريع في الحركة والحوار، والمواقف الملتبِسة الضاحكة، والجرأَة في مقاربة ذكية لأُمورٍ قد تداني “التابو”، ومواضيع إِجمالًا من الحياة اليومية، بما يقدِّم الترفيه مع النماذج النمَطية.
فيفيان بلعط وعلي منيمنة: العقدة المركَّبة
هذا الفن بلغَ أَوْجَهُ لبنانيًّا في الربع الأَول من القرن العشرين، على مسارح بيروت: “التياترو الكبير” و”مسرح فاروق” و”الباريزيانا”، مع تفاوت كبير في المستويات، والانحدار حتى الوقوع في التهريج الرخيص.
برونو جعارة
في هذا السياق النظيف تندرج مسرحية برونو جعارة “خلِّيني خبّْرَكْ ليه” (مسرح بيريت، جامعة القديس يوسف، بيروت، طريق الشام). وهو نسجَ لها (تعاوُنًا مع فيفيان بلْعط) حوارًا ذكيًّا رشيقًا يتوازى في انسجام تامٍّ مع الحركة المسرحية، وسْط ديكور بسيطٍ في رمزيته، سهلٍ في وظيفته، وفي سينوغرافيا تآخت فيها الإِضاءة من الأَزياء، فكانت للمجموع وحدةٌ تأْليفية وإِخراجية متناسقة، في نضْجٍ عرفناه في أَعمال برونو جعارة السابقة (آخرها “حماتَك بتحبَّك”، “النهار”، 14 أَيلول/سبتمبر 2023).
الفودفيل في أَقصى تدرُّجاته
نموذج لم يقيِّد اللَبْنَنَة
من علامات برونو جعارة ترجمةُ رؤْيته المسرحية بإِدارة ممثليه في دينامية لافتة، تَرفُدُه خبرتُه المسرحية الناضجة بين تَعاطيه مختلف أَنواع المسرح، من الدراما الاجتماعية إِلى الكوميديا الخفيفة فمَسرح الأَطفال، ما يُضْفي على تشكيله المسرحي معنًى لكل حركة، وكل عبارة، وكل موقف، فيَخرج الجمهور من عمله مكتَسِبًا بُعدًا جديدًا من الثقافة المسرحية. وهو نجح في استعارته الفكرةَ من المسرحية الفرنسية “زوجتي اسمُها موريس” للكاتب والسيناريست رافي شارت (1997) والمتحوِّلة فيلمًا (2002). لكنَّ برونو جعارة لم يستوحِ سوى الخيط الأَصلي الدرامي البدائي، ليحوك منه نسيجَ سيناريو مُلَبْنَن ذكي أَنسانا مصدرَ استيحائه، ليقدِّمَ لنا عملًا من مجتمعنا وناسِنا وحواراتنا ومواقفنا، الضاحكة، ولو بسخرية، من معظم الرجال الذين يَضجرون من رتابة هذه المسمَّاة “السعادة الزوجية”، فينحرفون إِلى علاقات نسائية موازية، ثم يَسعَون بعد فترة إِلى التخلُّص منها، وأَحيانًا للعودة إِلى البيت الزوجيّ، كما حال مسرحية برونو الجديدة “خلِّيني خبّْرَكْ ليه”. وهو كان قدَّم هذه المسرحية سنة 2008 بعنوان “أَنيس وموريس” مع بيار شمعون ووليد العلايلي وجورج دياب وآخرين. لكنه في عرضه الحالي نقَّحها وأَضاف إِليها عناصر حوارية وأَدائية تجعل نسختَها الجديدة أَجمل وأَنضج.
“شَوْبَكْ“ الانتقام من الخيانة
في الأَدوار
فيفيان بلعط، الشريكة في كتابة النص، تُواصلُ إِيقاعها السريع (إِنما المضبوط) في أَداء الحوار والحركة، فتَتَّخذُ مشاهدُها بين حركة الفودفيل الضاحكة ودينامية التحرك المسرحي، ما يجعلُها في طليعة ممثلاتنا المثقَّفات، ففي رصيدها أَعمال ناجحة بكتابتها وإِخراجها وتمثيلها المميَّز.
علي منيمنة لم أَكن أَعرفه إِلَّا على الشاشة في أَعمال جيدة، قام في معظمها بأَدوار جادة، بينها الشخصية السيئة المسيئة. لذا قدَّرتُ براعته في الانتقال إِلى أَداء دور كوميدي مركَّب لم تُفلِتْ منه الشخصية ولا في أَيّ مفصلٍ طوال المسرحية، ما يركِّز احترافيتَه العالية وحضورَه الخاص في كوكبة الممثلين شاشةً أَو خشبة مسرح.
لحظة الانفراج الأَخير
في هذا السياق الاحترافي ذاته نسجَت غريتا عون شخصيتها كزوجة، وحاكتْها في أَداء سليم اختزنَتْه من أَعمالها السابقة مسرحًا وشاشة، في أَدوار مساعدة غالبًا ما تكون ساطعة النجومية كتلك الأُولى. وهذا حال الدعم الواثق الذي تقدِّمه بولين حداد ومعها ضياء منصور. فالدور الـمُساعد ليس ثانويًّا، ولو تأَطَّر في دعم النجومية، إِلَّا أَنه يبقى نجمًا في الأُطُر المخصَّصة له.
يبقى أَنَّ برونو جعارة، في عمله الجديد “خلِّيني خبّْرَكْ ليه”، يتقدَّم أَكثر بعدُ صوب مكانٍ ومكانةٍ يحتاجُهُما مسرحنا اليوم في حقبته الحالية الطالعة من خراب المدينة إِلى عمار النهضة المسرحية.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
