أخبار

أي مستقبل لـ’ولاية الفقيه’ في لبنان إذا غاب الفقيه في إيران؟

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

يواجه “حزب الله” اليوم معضلة بنيوية فرضتها التهديدات الأميركية المباشرة لركائز نظام “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”. فالحزب الذي يستمد شرعيته الوجودية من “تلازم المسارين” العقائدي والسياسي مع طهران، يقف بين استمرارية البيعة العابرة للحدود والاضطرار لـ”لبننة” الهوية، ويواجه اختباراً مصيرياً: هل هو جزء من “دولة لبنان” أم امتداد لـ”ثورة الفقيه”؟

 

وأيضاً، هل يمتلك الحزب “ميكانزمات” داخلية تسمح له بالتحول إلى فاعل محلي بـ”هوية لبنانية” صرفة، أم أن انقطاع الرابط العضوي مع “ثورة الفقيه” سيعني حتماً تجريد الحزب من مبررات وجوده الاستراتيجي؟

 “ولاية الفقيه” في لبنان لم تكن مجرد خيار فقهي، بل تحولت منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى “عصب الهوية” لشريحة واسعة من الشيعة في المنطقة، وتحديداً لدى أتباع “حزب الله”. ومع تصاعد النبرة الأميركية تجاه النظام الإيراني، يبرز السؤال الوجودي عن مصيره ودوره المستقبلي.

 

 

النابلسي لـ “النهار”: ولاية الفقيه قدر تاريخي لا خيار سياسي

تاريخياً، نجحت طهران في دمج “القداسة الدينية” بـ”القرار السياسي” في شخص الولي الفقيه الذي يمثله حالياً آية الله الإمام السيد علي خامنئي، وهو ما حسم صراعات النفوذ الشيعية المبكرة في لبنان أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

 

يقدم الشيخ صادق النابلسي رؤية تعكس عمق “عقيدة المؤسسة” داخل “حزب الله”، معتبراً أن التساؤلات حول غياب الفقيه أو تصدع النظام الإيراني هي “فرضيات قلقة” لا تلامس حقيقة البنية العقائدية للحزب.

 

يرفض النابلسي فرضية وجود شرخ بين المرجعية الدينية (قم والنجف) والقيادة السياسية في طهران، واصفاً إياها بـ”خيالات أصحابها”، ونافياً وجود تضاد بين “التكليف الشرعي” و”المصلحة السياسية” في الفكر الشيعي، فالتوفيق بينهما هو الأساس، والحزب لا يرى المصلحة السياسية عنواناً منفصلاً، بل هي “مساحة يحددها التكليف الشرعي وتتوسع بتوسع المتغيرات”.

 

ويعتبر الشيخ النابلسي أن نظام ولاية الفقيه يمثل “النموذج الأمثل” للعدالة والديموقراطية الإنسانية، مستبعداً تماماً تحول إيران إلى “دولة مؤسسات” بالمنظور الغربي التقليدي. وأي حديث عن تحول إيراني نحو المعايير الغربية هو مرادف لـ”سقوط النظام برمّته” وهو أمر غير مطروح.

 

 

قرارات “حزب الله” تُبنى على “روحية الولاية” وتتخطى مراجع النجف وقم
يرد النابلسي على إشكالية “اللبننة” بالقول إن الحزب لا يعاني نقصاً في وطنيته، بل إن “الأكثر تضحية هو الأكثر لبنانية”، مستطرداً بالتوضيح عن العلاقة مع الولي الفقيه بأنها ليست “أداتية” أو تبعية عمياء، بل هي علاقة عقلانية تمنع الحزب من أي فعل يعاكس مصلحة لبنان. فالانتماء للولاية، في نظره، يعزز دور الدولة التي يجب أن تعكس رؤية الشعب الاستراتيجية، ولا يتناقض مع الهوية الوطنية التعددية.

 

وينفي النابلسي القلق من “فراغ مالي” عند غياب الفقيه، فالحزب يمتلك وكالات شرعية من مراجع شيعية متعددة حول العالم. هذه القنوات المالية، القائمة على أسس دينية (الخمس والزكاة)، يعتبرها النابلسي عصية على الاختراق أو المنع من قبل “الرجل الأبيض” (القوى الغربية)، مهما كانت الظروف السياسية في طهران.

 

وينطلق الشيخ النابلسي من فرضية أن “حزب الله” ليس حزباً عادياً يتأثر بتبدل الأشخاص، بل هو “جزء من مسار تاريخي” مستمر. وبالنسبة إليه، ولاية الفقيه هي “نظام قيمي” عابر للزمن، وقدرة الحزب على تجاوز الأزمات نابعة من إيمانه بأن “الولاية” قائمة، سواء كان الإمام حاضراً أو غائباً، ما يجعل الحزب كياناً “عصياً على التفكك” حتى في أصعب الظروف الانتقالية.

 

 

 

صورة مركبة لترامب وخامنئي. (أرشيف)

 

 

دياب لـ “النهار”: “حزب الله” وسيناريو “جفاف النبع”… هل اللبنانية هي الملاذ الأخير؟
يرى باحثون آخرون (بعض منتقدي الحزب أو الأكاديميين المتخصصين في الشأن الشيعي) أن الحزب لا يمكنه الصمود كجسم واحد دون “رأس” في طهران، فولاية الفقيه ليست مجرد نظام إداري بحت، بل هي “شرعية عقائدية”، وسلطة الأمين العام للحزب مستمدة من كونه “وكيل الفقيه”، فإذا سقط الفقيه أو فُقد الإجماع عليه، تسقط قانوناً وشرعاً “الوكالة” التي تتيح للحزب جباية الأموال، وإعلان الحرب، وإصدار التكليف بالقتال. والنتيجة، سيؤدي ذلك إلى “تشرذم المرجعيات” داخل البيئة الشيعية في لبنان، فالمقاتل الذي يذهب للموت بناءً على “تكليف شرعي” من الولي، قد لا يجد الحافز نفسه إذا أصبح القرار نابعاً من “مجلس شورى” محلي لا يمتلك صفة “القداسة” أو “النيابة عن الإمام المعصوم”.

 

يقدم الكاتب الصحافي يوسف دياب تشريحاً مغايراً لمستقبل الشيعية السياسية في لبنان، مرتكزاً على فك الاشتباك بين “الهوية الطائفية” و”الأيديولوجيا العابرة للحدود”.

 

يرى دياب أن مصير “حزب الله” ليس مرتبطاً بصلابة مؤسسته، بل بمدى تدفق الدعم من “الرأس” في طهران، معتبراً أن أي اهتزاز في المركز سيعيد رسم الخريطة الشيعية اللبنانية بالكامل.

 

يرفض دياب تعميم فكر ولاية الفقيه على شيعة لبنان، مؤكداً وجود تمايز حاد بين مدرسة “حزب الله” وبقية المكوّنات (حركة أمل، العائلات الكبرى، والمستقلين)، ففي حال وقوع خلاف بين “النجف” (مرجعية الاعتدال العربي) و”قم” (مرجعية الولاية)، سيشهد الداخل الشيعي اللبناني انقساماً علنياً. ومعارضة ولاية الفقيه في لبنان ليست غائبة، بل هي حالة “كامنة” ستتعاظم وتخرج إلى العلن كلما ضعف النفوذ الإيراني أو تراجع دور الحزب سياسياً وشرعياً.

سقوط “دولة الثورة”: النهاية الوظيفية للحزب
على عكس مَن يرى أن الحزب مؤسسة مستقلة، يجزم دياب بأن “حزب الله” كأيديولوجيا وجسم سياسي وعسكري سينتهي حتماً بسقوط النظام الإيراني أو تحوله إلى دولة مدنية ديموقراطية.

 

 “إذا انتهى النبع جفت السواقي”، يقول دياب، معتبراً أن الحزب لا يملك “ميكانزمات” بقاء ذاتية بعيداً عن الثورة الإيرانية، فغياب الغطاء الديني والمالي والسياسي من طهران سيعني “اليتم الاستراتيجي” الذي لا يمكن علاجه بالمكابرة.

 

يطرح دياب أيضاً رؤية إشكالية حول “تلبنن” الحزب، معتبراً إياها مهمة مستحيلة، فالحزب يربط “ماهيته” بالسلاح وفقدان السلاح يعني فقدان مبرر الوجود، ويمارس السياسة في لبنان كـ”هامش” لوضعيته العقائدية والعسكرية، وهو ما يجعله “جسماً غريباً” عن الدولة ومؤسساتها حتى وإن كان ممثلاً في البرلمان والحكومة.

 

يتوقع دياب تحولاً دراماتيكياً في المزاج الشيعي العام عند حدوث زلزال في إيران، والتحول الشيعي بغالبيته سيذهب باتجاه “المؤسسات التقليدية” والالتحاق بركب الدولة اللبنانية وسيعيد الشيعة اكتشاف أن مستقبلهم مرتبط حصراً بقوة الدولة وضعفها، منهين بذلك حقبة “الاستثناء العقائدي” الذي مثله “حزب الله” لسنوات طويلة.

لطالما استمد الحزب راديكاليته من “حيوية الثورة” الإيرانية، لكن التحدي اليوم مختلف تماماً، وهو: ماذا لو تحولت إيران بفعل الضغط الدولي إلى “دولة وطنية” تعيد ترتيب أولوياتها داخل حدودها؟

 

هنا يواجه الحزب “أزمة وظيفة”، ففقدان صفة “الطليعة الرسالية” سيحول مقاتليه من “جنود ممهدين للمهدي” إلى “حلفاء تكتيكيين”، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل العقيدة القتالية التي بُنيت على مفهوم “الولاية العابرة للحدود”، ويواجه لبنان اليوم واحداً من أصعب الأسئلة الاستراتيجية: ما هو مصير “حزب الله” إذا ما تعرض النظام في طهران لزلزال سياسي أو عسكري؟

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى