
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
منذ إعلان تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي في الأول من أيار عام 1949، لم يكن هذا الحزب مجرد إطار سياسي تقليدي، ولا مشروعًا فئويًا أو طائفيًا مقنّعًا، بل مثّل محاولة جريئة لتأسيس حركة وطنية حديثة في بلد كان لا يزال أسير البنى المذهبية والزعامات الوراثية. في لحظة كان فيها الانتماء الطائفي شرطًا شبه إلزامي للوجود السياسي، جاء الحزب التقدمي الاشتراكي ليقترح تصورًا مختلفًا للسياسة، قوامه المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والعقل النقدي.
قاد الزعيم كمال جنبلاط هذا المشروع، لكنه لم يؤسسه منفردًا، ولم يتعامل معه بوصفه امتدادًا لزعامة عائلية أو طائفية، بل أحاط نفسه بمجموعة من المثقفين والمفكرين والسياسيين من طوائف وخلفيات فكرية متعددة. اجتمع هؤلاء على رؤية واحدة: بناء دولة عادلة، مدنية، ديمقراطية، يكون فيها المواطن أساس الانتماء، لا المذهب ولا العائلة ولا الإرث السياسي.
جاء تأسيس الحزب في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان بعد الاستقلال، حيث كانت الساحة السياسية منقسمة بين زعامات طائفية تقليدية من جهة، وأحزاب مرتبطة بسياقات إقليمية أوسع من جهة أخرى. في هذا الفراغ الفكري والسياسي، أراد جنبلاط أن يؤسس حزبًا لبناني الهوية، عربي الانتماء، تقدمي الفكر، يتجاوز الانقسام المذهبي من حيث المبدأ والممارسة. لذلك، لم يكن اختيار المؤسسين صدفة، بل تعبيرًا واعيًا عن هذا التوجه، ورسالة مبكرة بأن التعدد ليس عائقًا، بل شرطًا لبناء السياسة الحديثة.
برز إلى جانب جنبلاط عدد من الأسماء التي شكّلت النواة التأسيسية للحزب، وفي طليعتها العلامة الشيخ عبد الله العلايلي، المفكر الإسلامي المجدد، الذي لعب دورًا محوريًا في صياغة الميثاق التأسيسي. لم يكن العلايلي مجرد عضو مؤسس، بل كان العقل الفكري الذي منح الحزب لغته السياسية والأخلاقية، واضعًا أسسًا متقدمة لدولة مدنية مناهضة للطائفية، ومؤكدًا أن الإصلاح الديني والفكري شرط ملازم للإصلاح السياسي.
ويتجلى هذا الدور بوضوح في نصوص الميثاق التأسيسي، حيث ورد فيه:
“إن نظام الطوائف هو أعظم عائق في سبيل تقدم لبنان وتطوره، والحزب يناضل لتحرير الدولة من ربقة الطائفية والمذهبية”.
وفي باب العدالة الاجتماعية، يؤكد الميثاق:
“يهدف الحزب إلى إقامة نظام اشتراكي عادل، يكفل للفرد حريته وكرامته، ويضمن له حاجاته الأساسية”.
أما في تحديد الهوية الوطنية، فيقول:
“لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وهو جزء من الوطن العربي، له شخصيته العربية المتميزة”.
هذه النصوص، التي سبقت زمنها في الجرأة والوضوح، لم تكن شعارات عابرة، بل شكّلت الإطار الفكري الذي جذب مثقفين من خارج البيئة الدرزية إلى الانخراط في الحزب، ورأوا فيه مشروعًا وطنيًا يتجاوز الحسابات الضيقة، ويعيد تعريف الانتماء على أسس أخلاقية ومدنية.
إلى جانب العلايلي، كان فريد جبران، السياسي الكاثوليكي والبرلماني المعروف، أحد أبرز المؤسسين. مثّل جبران البعد الوطني العابر للطوائف، وكان حضوره دليلًا عمليًا على أن الحزب ليس مشروع أقلية، بل مساحة مشتركة للمؤمنين بالإصلاح الاجتماعي والديمقراطي. لعب دورًا سياسيًا وتنظيميًا مهمًا، وأسهم في ترسيخ حضور الحزب في الحياة البرلمانية والنقابية، مانحًا إياه صدقية عملية لا تكتفي بالشعارات.
كما شارك ألبير أديب، الأديب والصحافي وصاحب مجلة «الأديب»، في هذه اللحظة التأسيسية، مضيفًا بعدًا ثقافيًا وفكريًا للمشروع. فقد شكّلت مجلته منبرًا للنقاشات النهضوية والاشتراكية والقومية، وكان يرى في الحزب التقدمي الاشتراكي تجسيدًا عمليًا للأفكار التي ناضل من أجلها في المجال الثقافي، وجسرًا حيًا بين الفكر والممارسة.
وساهم فؤاد رزق، الخبير القانوني، في بناء الهيكل التنظيمي والقانوني للحزب، واضعًا أسس العمل المؤسساتي، فيما مثّل الدكتور جورج حنا البعد الاجتماعي والإنساني، مؤكدًا أن الطب الوقائي والرعاية الأولية هما وجه آخر للعدالة الاجتماعية، لا هامشًا لها، رابطًا بين الفكر التقدمي والعمل الصحي والخدماتي.
ما يجمع هؤلاء المؤسسين، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والفكرية، أنهم لم يلتقوا على عصبية طائفية أو مصلحة آنية، بل على فكرة الوطن بوصفه مشروعًا أخلاقيًا وسياسيًا. كل واحد منهم وجد في مشروع جنبلاط إجابة على سؤال شخصي عميق: كيف يمكن بناء لبنان عادل في مجتمع منقسم؟
لم تكن هذه التعددية شكلية، بل انعكست في بنية الحزب وخطابه وممارسته. فقد حاول، منذ بداياته، أن يكون حزبًا للمثقفين والعمال والفلاحين، لا أداة بيد زعيم أو طائفة. صحيح أن التجربة واجهت لاحقًا صراعات قاسية، وتعرضت لانكسارات وتحولات، لكن اللحظة التأسيسية بقيت شاهدة على إمكانية قيام سياسة مختلفة في لبنان.
اليوم، وقد بلغ التفكك الوطني مداه، وعاد الحديث عن «الميثاقية» بوصفها غطاءً لتجديد الطائفية بدل تجاوزها، تعود سيرة هؤلاء المؤسسين كتذكير بأن لبنان لم يُفكَّر فيه دائمًا من داخل أقفاصه المذهبية. لقد أنتج، في أسوأ لحظاته، محاولات جادة للخروج من العزلة، ولو مؤقتًا، عبر السياسة بوصفها فعلًا أخلاقيًا لا مجرد إدارة صراع.
إن استعادة هذه التجربة لا تحمل بعدًا نوستالجيًا فحسب، بل تقدم درسًا وطنيًا بالغ الأهمية: أن العمل السياسي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالتعدد، ومن الإيمان بأن القيم المشتركة أقوى من الانتماءات الضيقة. لقد أثبت كمال جنبلاط ومؤسسو الحزب التقدمي الاشتراكي أن بناء حزب وطني عابر للطوائف ليس وهمًا، بل خيار صعب لكنه ممكن، حين تتقدم الفكرة على العصبية، والعقل على الغريزة.
فهل آن الأوان لأن يعود عقلاء لبنان متحدين، لا شعارًا، بل مشروعًا؟
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
