أخبار

عطرٌ ودماء… حين تتحوّل الرائحة إلى ذاكرة نازفة

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

فاروق غانم خداج 
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

تندرج رواية «عطر ودماء» ضمن النمط السردي الذي لا يكتفي بسرد حكاية، بل يسعى إلى بناء مناخ نفسي كثيف، تتشابك فيه المشاعر، وتتداخل الأزمنة، ويصبح الحدث أقل أهمية من أثره في الوجدان. منذ الصفحات الأولى، يجد القارئ نفسه أمام نص لا يقدم مفاتيحه بسهولة، بل يراهن على التدرّج، وعلى كشف بطيء ومدروس لعوالم شخصياته، وكأن الكاتب يتعمّد أن يضع قارئه في حالة ترقّب دائم، بعيدًا عن الراحة البسيطة لمتلقي النص. الرواية لا تهمس فقط بالحرب، بل بذاكرة الحرب، بما تحمله من ألم وإنسانية وصمت طويل يلفّ الواقع.

العنوان ذاته ليس مجرد تسمية جاذبة، بل مفتاح دلالي أساسي. فـ«العطر» في الرواية لا يحضر بوصفه عنصرًا حسيًا فقط، بل كأثر باقٍ، كذاكرة خفية تتسلل إلى الوعي من حيث لا يُتوقّع، فيما «الدماء» تشير إلى العنف والخسارة، وإلى ما يُراق من الإنسان جسدًا وروحًا. بين هذين الحدّين، يبني النص توتّره، ويحرك شخصياته داخل فضاء خانق، تتحكم فيه علاقات القوة، والخوف، والرغبة، والصمت الطويل. العنف هنا ليس منظرًا صاخبًا، بل حالة كامنة في العلاقات الإنسانية، في التسلّط، وفي هشاشة الحب حين يولد في بيئة ملوّثة بالخوف.

لا تعتمد الرواية على حبكة تقليدية قائمة على تصاعد حدث واضح، بل على تشظّي الزمن، واستعادة الذاكرة بوصفها فعلًا قسريًا لا خيار للشخصيات فيه. الماضي لا يأتي كخلفية شارحة، بل كعبء ضاغط يعود في اللحظة التي يظن فيها الأبطال أنهم تجاوزوه. هنا يتجلّى وعي الكاتب ببنية الرواية الحديثة، حيث لا تفصل الحكاية عن الوعي، ولا يُنظر إلى الزمن كخط مستقيم، بل كدائرة تعيد إنتاج الألم بأشكال مختلفة، متباينة، ومؤثرة.

لغة الرواية واحدة من أبرز عناصر تميّزها. فهي لغة مشدودة، حذرة من الإسراف، لكنها محمّلة بإيحاءات شعرية رصينة. الجملة غالبًا قصيرة، قاطعة، تُشبه طعنة لغوية، قبل أن تتوسع أحيانًا في وصف داخلي يضيء الحالة النفسية للشخصية. الحوار محدود، لكنه وظيفي؛ يُقال فيه أقل مما يُخفى، ما يمنح النص عمقه، ويجعل الصمت عنصرًا فاعلًا لا فراغًا. لا يحتاج القارئ إلى مجهود لفهم المعنى، بل ليشعر به، ليعيه، وليختبره من خلال الجسد والنفس والذاكرة.

في «عطر ودماء»، الشخصيات ليست نماذج أخلاقية جاهزة، بل كائنات مترددة، متناقضة، تحمل في داخلها بذور الخير والخراب معًا. هذا الرفض للتصنيف السريع يمنح الرواية صدقيتها، ويبعدها عن المباشرة أو الوعظ، ليصبح النص تجربة فكرية وشعورية متكاملة، حيث يبقى القارئ متيقظًا لكل رمزية، لكل لحظة، لكل صمت مفارق للحياة.

صدرت الرواية عن دار سائر المشرق في بيروت سنة 2018، في سياق ثقافي لبناني كان ولا يزال يبحث عن نصوص تلامس القلق الوجودي للإنسان، بعيدًا عن الاستهلاك السريع. وقد عُرفت الدار باهتمامها بإصدار أعمال تراهن على الجدية الفنية، وعلى قارئ مستعد للدخول في تجربة قراءة تتطلّب الصبر والانتباه، ما يجعل هذا الإصدار منسجمًا مع هويتها ومسارها الثقافي.

يقف خلف هذا العمل الكاتب اللبناني يوسف طراد، الذي يندرج ضمن جيل يفضّل الاشتغال بصمت وبناء مشروعه الأدبي بعيدًا عن الضجيج. يوسف طراد كاتب يميل إلى الغوص في الداخل الإنساني، إلى تفكيك المناطق الرمادية في النفس، وإلى مساءلة العلاقة بين الفرد وتاريخه، وبين الجسد والسلطة، من دون شعارات أو أحكام جاهزة. في كتابته، تبدو اللغة أداة تفكير قبل أن تكون وسيلة سرد، ويظهر حرص واضح على التوازن بين الجمالي والفكري.

ما يلفت في تجربة طراد أنه لا يتعامل مع الرواية كحكاية تُروى فحسب، بل كمجال للأسئلة المفتوحة. أسئلته لا تُطرح بصوت عالٍ، بل تتسرّب عبر التفاصيل، وعبر الانكسارات الصغيرة في مصائر شخصياته. لذلك، تأتي «عطر ودماء» عملًا لا يسعى إلى إرضاء القارئ، بل إلى استفزازه فكريًا، ودفعه إلى إعادة النظر في مسلّماته عن الحب والعنف والذاكرة. هذا النهج يجعل من الرواية تجربة تستحق التأمل، ويؤكّد أنّ طراد كاتب يملك مشروعًا أدبيًا حقيقيًا، يقوم على العمق، لا على العابر.

في المحصّلة، تشكّل «عطر ودماء» رواية تتطلّب قراءة متأنية، لكنها تكافئ قارئها بتجربة غنية ومقلقة في آن. نص لا يُغلق على معنى واحد، ولا يقدّم خاتمة مريحة، بل يترك أثره معلّقًا في الذاكرة، كالعطر الذي لا يُرى، وكالدم الذي لا يُنسى. بهذا المعنى، تثبت الرواية حضورها كإضافة نوعية إلى السرد اللبناني المعاصر، وتؤكّد أنّ يوسف طراد اسم يستحق المتابعة، لا بوصفه كاتب رواية واحدة، بل صاحب مسار أدبي واعد، يقوم على العمق لا على الاستسهال، وعلى الصمت المؤثر لا على الضجيج الزائف.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى