
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
تواصل الأسهم الأميركية تسجيل مستويات تاريخية غير مسبوقة، في مشهد يعكس مزيجاً معقداً من التفاؤل الاقتصادي والزخم القطاعي غير المتوازن، وإعادة تسعير واسعة لدور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الأميركي، إلى جانب رهانات متزايدة على تحوّل تدريجي في السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة. فقد تجاوز مؤشر داو جونز الصناعي للمرة الأولى في تاريخه مستوى الـ 50 ألف نقطة، محققاً مكاسب بنسبة 4.7%، منذ بداية العام حتى الآن، فيما أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأسبوع قريبًا من قمته التاريخية، على بُعد أقلّ من 1% منها، بينما بقي أداء مؤشر ناسداك أكثر تقلّباً، ومتأخراً قرابة 4% عن أعلى مستوياته المسجّلة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
لكن هذه القمم القياسية لا تعكس صعوداً أفقياً متجانساً بقدر ما تكشف عن تباينات واضحة بين القطاعات، بل حتى داخل القطاع الواحد. فرغم الضغوط التي تعرّضت لها بعض أسهم التكنولوجيا الكبرى، ولا سيما بعد إعلان شركات مثل أمازون زيادة إنفاقها الرأسمالي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بأكثر من 50%، فإن أسهم شركات أشباه الموصلات قادت موجة الصعود، مدفوعة بتوقعات قوية بارتفاع الطلب على الرقائق ومراكز البيانات خلال السنوات المقبلة. هذا التناقض بين تراجع بعض الأسهم القيادية وارتفاع القطاع ككل يعكس قناعة السوق بأن الذكاء الاصطناعي بات مساراً استثمارياً طويل الأجل، حتى وإن فرض تكاليف مرتفعة وضغوطاً على الهوامش في الأجل القصير.
ولم يقتصر المشهد الإيجابي على قطاع التكنولوجيا وحده. فقد سجلت قطاعات المواد الأساسية والطاقة أداءً قوياً، مدعومة بتحسن شهية المخاطرة وارتفاع أسعار بعض السلع، إلى جانب استقرار أسعار النفط نسبيًا. كما استفاد القطاع الصناعي من استمرار الإنفاق الاستثماري وتحسن الطلب، بخاصة مع توجّه العديد من الشركات الصناعية إلى تبنّي حلول الذكاء الاصطناعي في مجالات الأتمتة، وإدارة سلاسل الإمداد، والصيانة التنبؤية، ما يعزز الكفاءة التشغيلية ويفتح الباب أمام تحسن هيكلي في الهوامش على المدى المتوسط.
ويبرز قطاع الطاقة كأحد المستفيدين غير المباشرين من موجة الذكاء الاصطناعي، سواء عبر استخدام التقنيات الذكية لتحسين كفاءة الإنتاج وإدارة الشبكات وخفض الهدر، أم عبر الارتفاع المتوقع في الطلب على الكهرباء نتيجة التوسع السريع في مراكز البيانات. هذا الواقع قد يدفع إلى استثمارات إضافية في البنية التحتية للطاقة والمرافق، ما يمنح القطاع مزيجاً متوازناً بين الطابع الدفاعي وفرص النمو المستقبليّ.
أما قطاع الموادّ الأساسية، فيستفيد بدوره من الطلب المتزايد على المعادن المستخدمة في تصنيع الرقائق والبنية التحتية الرقمية، وعلى رأسها النحاس والمعادن الاستراتيجية، في ظل مؤشرات متزايدة على فجوة محتملة بين العرض والطلب خلال السنوات المقبلة. في المقابل، حافظ قطاع الخدمات الاستهلاكية على تماسكه، مدعومًا بقوة الإنفاق الاستهلاكي الأميركي، رغم الضغوط التضخمية السابقة، وتشدّد الأوضاع المالية مقارنة بالسنوات الماضية.
في المقابل، ظلّ القطاع المالي أقلّ حماسة، متأثراً باستقرار عوائد السندات الأميركية قرب مستوياتها الحالية، إذ بلغ عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات نحو 4.20%، فيما استقرّ عائد السندات لأجل عامين قرب 3.49%. هذا الاستقرار يعكس حالة ترقب واضحة قبل صدور بيانات اقتصادية مفصلية، في مقدّمها تقرير الوظائف الأميركية ومؤشر أسعار المستهلكين، وكلاهما تأجّل بسبب الإغلاق الحكومي الأخير. ورغم الأداء المتحفظ، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح أمام المؤسسات المالية آفاقًا لتحسين إدارة المخاطر، ومكافحة الاحتيال، وتخصيص الخدمات، ما قد يشكّل عنصر دعم طويل الأجل للقطاع.
من الناحية التقييمية، يواجه السوق اختباراً حقيقياً، إذ يتم تداول مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عند مضاعفات ربحية أعلى من متوسطاته التاريخية، ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات حول استدامة الصعود. لكن المدافعين عن الاتجاه الصاعد يرون أن هذه التقييمات تعكس بيئة مختلفة، تتسم بربحية قوية للشركات الكبرى، وهوامش مستقرّة نسبياً، وقدرة ملحوظة على تمرير التكاليف إلى المستهلك النهائي، فضلاً عن قوة الميزانيات العمومية مقارنة بدورات سابقة.
العامل النقدي يبقى حجر الزاوية في هذا المشهد. فالتوقعات تشير إلى أن الاحتياطي الفيديرالي قد يتجه إلى خفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس على الأقلّ خلال عام 2026، في حال أظهرت البيانات مزيداً من التباطؤ في التضخم أو اعتدالاً في سوق العمل. هذه الرهانات ساهمت في تراجع مؤشر التقلبات (VIX) إلى حدود 17 نقطة، في إشارة إلى انخفاض المخاوف قصيرة الأجل، ولو بشكل موقت.
مع ذلك، لا يُمكن تجاهل المخاطر الكامنة التي تزداد أهميتها كلّما اقتربت الأسواق من مستويات قياسية جديدة. فأول هذه المخاطر يتمثل في ارتفاع التقييمات، حيث يتم تسعير جزء كبير من التفاؤل المستقبلي مسبقاً، ما يجعل الأسواق أكثر هشاشة أمام أيّ مفاجآت سلبية، سواء في نتائج الشركات أم في البيانات الاقتصادية. في مثل هذه البيئة، قد تكون ردود فعل الأسواق مبالغًا فيها تجاه أي خيبة أمل، حتى وإن كانت محدودة.
المخاطر الثانية تتعلق بمسار السياسة النقدية الأميركية. فرغم الرهانات الحالية على خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026، يبقى هذا السيناريو مشروطاً بتراجع مستدام في التضخم واعتدال واضح في سوق العمل. أي عودة غير متوقعة للضغوط التضخمية، أو استمرار قوة التوظيف والأجور، قد تدفع الاحتياطي الفيديرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية مشددة لفترة أطول، أو حتى إعادة تسعير توقعات الفائدة صعوداً، ما قد يشكل عامل ضغط مباشر على أسهم النمو والتكنولوجيا بشكل خاص.
أما الخطر الثالث، فيكمن في تركّز المكاسب في عدد محدود من الأسهم والقطاعات، وهو ما يرفع من مستوى المخاطر النظامية داخل السوق. فاعتماد المؤشرات الرئيسية على مجموعة ضيقة من الشركات القيادية يجعلها عرضة لتصحيحات حادة في حال تعرّضت هذه الشركات لأي صدمات، سواء أكانت مرتبطة بالأرباح، أم بالتشريعات، أم بالمنافسة المتزايدة. هذا التركّز يقلّل من جودة الصعود، ويحدّ من استدامته على المدى المتوسط.
يضاف إلى ذلك تصاعد المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، ولا سيما من الصين، كعامل مخاطر استراتيجي لا يمكن تجاهله. فالصين تستثمر بقوة في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي محلية، وبنية تحتية رقمية متقدمة، مدعومة بسياسات صناعية حكومية واسعة النطاق. هذا التقدم قد يضغط على الحصة السوقية للشركات الأميركية، ويحدّ من قدرتها على فرض تسعير مرتفع أو الحفاظ على هوامش ربح قوية، خصوصًا في مجالات البرمجيات، والخدمات السحابية، والتطبيقات الصناعية للذكاء الاصطناعي. كما أن تصاعد المنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين قد يفتح الباب أمام قيود تنظيمية وتجارية إضافية، تزيد من عدم اليقين أمام الشركات متعددة الجنسيات.
إلى جانب ذلك، تبرز مخاطر الأرباح وهوامش التشغيل، بخاصة في القطاعات التي تشهد سباقاً محموماً على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فارتفاع الإنفاق الرأسمالي قد يضغط على التدفقات النقدية الحرة وهوامش الربح في المدى القصير، ما يفرض على الشركات إثبات قدرتها على تحويل هذه الاستثمارات إلى عوائد فعلية، لا أن تبقى مجرد نمو نظري في الإيرادات.
في ظل هذه التحديات، يصبح النهج الانتقائي ضرورة وليس خياراً. فالفرص الاستثمارية الحقيقية لا تقتصر على مطوّري تقنيات الذكاء الاصطناعي أنفسهم، بل تمتد إلى القطاعات التي تنجح في دمج هذه التقنيات ضمن عملياتها التشغيلية، وتحويلها إلى مكاسب إنتاجية ملموسة. الشركات القادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف، وتحسين الكفاءة، وتعزيز القدرة التنافسية، ستكون الأقدر على الصمود في بيئة تتسم بتقلّبات أعلى وتقييمات مشدودة.
كما أن بناء محافظ متوازنة، تجمع بين أسهم النمو والقطاعات الدفاعية، مع تنويع جغرافي وقطاعي مدروس، قد يشكل عنصر حماية أساسي في المرحلة المقبلة. وفي نهاية المطاف، فإن الأسواق لا تكافئ فقط من يلاحق الاتجاهات الرائجة، بل من ينجح في التمييز بين الضجيج الاستثماري والتحوّلات الهيكلية القادرة على خلق قيمة مستدامة على المدى الطويل.
(*) كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro، محاضر جامعي في لبنان وفرنسا.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
