
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
البروفسورة وديعة الأميوني
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد سلسلة من الجرائم الجنائية الصادمة، بل مختبراً حياً كشف عن أعمق تشوهات النفس البشرية عندما تلتقي السلطة المطلقة بالمال الفاحش في غياب المساءلة! إن ما حدث في “فضاء إبستين” يتجاوز كونه انحرافاً فردياً، ليصبح افضل تجسيد لآليات نفسية واجتماعية معقدة تحكم دوائر النُخب، حيث تتحول القيم الأخلاقية إلى سلع، والبشر إلى أدوات في لعبة نفوذ كبرى! في قلب هذه القضية تبرز “متلازمة الغطرسة”، وهو اضطراب شخصية يصيب أولئك الذين يمارسون سلطة واسعة لفترات طويلة دون رقابة.
وفي عالم إبستين، لم يكن النفوذ وسيلة لتحقيق غاية فحسب، بل عدسة مشوهة يرى من خلالها النافذون أنفسهم ككائنات فوق القانون! هذا الشعور بالاستثناء والتفوق يخلق فجوة إدراكية تجعل القواعد الأخلاقية والاجتماعية التي تحكم “عامة الناس” غير ملزِمة لهذه النخبة، الامر الذي يمهد الطريق الى فعل انتهاكات صارخة دون أدنى شعور بالذنب. وتتجلى هذه المتلازمة في تحويل القاصرات من ذوات بشرية إلى مجرد “أدوات” للمتعة أو المقايضة، وهو ما يعرف بـ نزع الإنسانية، وتغييب التعاطف الانساني، وتسهيل الاستغلال الممنهج، وتفكيك الارتباط الأخلاقي، حيث يبتكر “المشاركون” تبريرات عقلانية لجرائمهم، على اعتبارها “امتيازات للنخبة”، الامر الذي يسمح باستمرار الجرائم لسنوات دون وازع من ضميرهم. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، لم يكن الاستغلال الجنسي في شبكة إبستين مجرد إشباع لغرائز منحرفة، بل كان أداة لترسيخ الهيمنة. ففي هذه الدوائر المغلقة، يعمل “الجنس” كعملة للمقايضة ووسيلة للابتزاز!
بل ان توريط رجال نافذين في جرائم ضد قاصرات يخلق “ميثاق دم” غير معلن! حيث يصبح الجميع شركاء في الخطيئة! مما يضمن الولاء المطلق! والصمت المتبادل! وتتحول الضحايا هنا إلى “أصول” في محفظة استثمارية سياسية! كما تلعب “المسافة الطبقية” دوراً حاسماً في تبرير هذه الجرائم، فالفجوة الهائلة بين حياة الرفاهية المطلقة التي يعيشها النافذون، وبين حياة الضحايا اللواتي غالباً ما ينتمين لبيئات هشة، تخلق نوعاً من “العمى الأخلاقي”. وبالنسبة للنخبة الغارقة في متلازمة الغطرسة، فإن معاناة هؤلاء الفتيات تصبح غير مرئية أو غير ذات صلة، تماماً كما لو كانوا مجرد أرقام في لعبة افتراضية! وهو ما يساهم في اثارة المتفرج النخبوي، وسيادة الصمت الجماعي للنافذين حمايةً لمصالحهم وشبكاتهم، مما يخلق بيئة آمنة للمجرمين، لكن مع تآكل الثقة في ما بينهم.
وهكذا نستخلص من قضية ابستين، ان السلطة التي تدوم طويلاً تضعف القدرة على التعاطف، وتحد من رؤية أفراد المجتمع كذوات مكتملة، مما يجعل الفئات الأضعف مجرد وسائل وأدوات يمكن استغلالها. إن قضية إبستين هي جرس إنذار حول مخاطر “الدوائر المغلقة” التي تمنح أفرادها حصانة قانونية رغم وحشيتها. إن مواجهة هذه الظواهر لا تتطلب فقط ملاحقات قضائية، بل تتطلب تفكيك البنى الاجتماعية التي تسمح بنشوء “آلهة صغيرة” ترى في البشر مجرد قرابين لشهواتها ونفوذها! إنها دعوة لإعادة الاعتبار للإنسان كقيمة مطلقة لا تقبل المقايضة، مهما بلغت سلطة الطرف الآخر.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
