
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
سنة 1999 نال الصحافي راي (ريمون) بونِر (Raymond Bonner) جائزة “بوليتْزِر” على تحقيقاته الصحافية الجريئَة في عدد من الصحف الأَميركية تغطيةً جبهاتٍ ساخنةً وخطرة. ومن يومها اتَّسع اسمُه أَكثر في الأُسرة الصحافية. سوى أَنه، بعد عمْر من المراسلة والتغطيات الميدانية الخطرة والجريئة، راح تدريجًا ينسحب من الوسط الصحافي، وينصرف إِلى حياته الأَدبية، هو الذي حبُّه الكتابَ غلَب كتابتَه الصحافية. وبلغ به هذا الحبُّ أَن غادر الولايات المتحدة إِلى أُستراليا ليُنشئَ مكتبةً ومقهى أَدبيَّا يستقبل فيه قرَّاءً وأُدباء يعْقد معهم حلقات فكرية وثقافية كانت تستقطب جمهورًا أَوسعَ فأَوسعَ حتى بلغَت شُهرتُه قوسًا عالَميًّا.
في الحلقة السابقة قدمتُ نبذة عن مسيرة راي الصحافية.
هنا تتمةُ المسيرة عن راي صاحب المكتبة والمقهى الأَدبي.
البوليتْزِر
بلغ راي بونِر سنَّ التَقاعد، فقرَّر أَن يتقاعدَ من الصحافة، ولو هي حملَت إِليه جائزة بولتيْزِر الـمُشَرِّفة. وبدأَ مرحلةً جديدةً من حياته هي مرحلة الكتاب. اختار الكتُب، المكتبة، الهُدوء، جوَّ القراءة والقرَّاء، التعاطي مع الزوَّار بمواضيع أَدبية وفكرية.
شريكتُه الخبيرة سالي تابنر
هكذا بدأَ فصلًا من حياته شاءَه وفْق طموحاته وأَحلامه من زمان. وفيما التقاعُد يعني للكثيرين تمضيةَ الوقت على رمال الشاطئ، ومشاهدةَ الأَعمال المكرَّرة على شاشة التلفزيون، والقيلولةَ الطويلة بعد الظهر، والشعورَ بالشيخوخة تطحن الأَيام المتتالية المتشابهة كورق الشجر، اختار راي تبادُلَ بطاقات استعارات الكتب، والتنقُّلَ بين رفوف المكتبة العامرة بمئات المؤَلفات، وتحويلَ المكتبة الساكنة الراكدة إِلى خلية قرَّاء دينامية يزورونها يوميًّا.
الانتقال إِلى فضاء آخَر
طلَّق راي حياة الصحافة اليومية والتغطيات الخطرة ولم يلتفتْ وراءه، بل تطلَّع أَمامه واعتنَق لقاءات الكتُب اليومية. هكذا أَصبح كُتُبيًّا مستقرًّا بعدما كان صحافيًّا يركض لاهثًا وراء الحدَث. طلَّق ملفَّات المحاماة، وصحافةَ الجبهات الساخنة، وتعاقد مع جبهة القراءة والقرَّاء وزوَّار المكتبة، والعلاقةَ مع المثقَّفين والأَحاديث الفكرية، وهو عمل جديد لم يأْلفْه سابقًا. هذا ما دعاه إِلى شراء مكتبة منسية وشبْه عاطلة عن الزوَّار في مدينة آفالون بيتش، مقاطعة نيو ساوث ويلز (أُستراليا). كانت تأَسست سنة 1992 لكن صاحبها أَراد التخلِّي عنها. اشترك راي في شرائها سنة 2018 مع سالي تابْنِر، الخبيرة في إِدارة المكتبات، فساعدَتْه على تحويلها كذلك مقهًى أَدبيًّا، وهو ما يعرف عادة بالـ”بوكوتشينو”.
تقاعدُهُ الهادئ بين الكتب
Bookoccino
الكلمة تجمع لفظة كتاب Book ولفظة القهوة كابوتشينو Cappuccino. واشتُهرت المكتبة/المقهى فاستقطبَت عشرات الزوَّار، يجلسون، يقرأُون، يتحاورون، ويرتشفون الكابوتشينو. تدريجًا راحت المكتبة تستقطب، إِلى الزوَّار القرَّاء والمثقَّفين، أُدباء وشعراء ومفكرين وصحافيين وحتى بعض رجال السياسة، وتقام فيها ندوات وحلقاتُ نقاش. أَصبحت المكتبةُ مركزَ استقطاب ثقافيًّا شهيرًا في سيدني.
ما الذي أَخذ راي إِلى هذا الخيار؟ صحيح أَنه لم يتعاطَ عملًا تجاريًّا في حياته، لكنه أَمضى حياته محاطًا بالقصص والـمَشاهد والكلمات وتجارب إِنسانية صعبة كان يلتقطُها ويدوِّنها في مقال صحافي. لذا لم يكن غريبًا عليه انتقالُه إِلى عالَم الكتاب، ولا تعاطيه شؤُون البيع، بل كان امتدادًا لمزاجه الأَدبي، يَجمع نسخة الكتاب إِلى فنجان القهوة، ويجمع المؤَلَّفات إِلى المؤلِّفين. لم يعُد المكان لـ”بيع الكتب” بل لتبادُل الأَفكار، واكتشاف أَذواق الناس الأَدبية والفكرية، وما يرغبون، وما ينتظرون بعدُ أَكثر حتى يأْتي لهم إِلى رفوف مكتبته بالكتب المتمنَّاة. لم يعُد الزوار يأْتون لشراء كتاب فقط، بل للمناقشة والحوار، واكتشاف الجديد عبر المناقشات، وقراءات جَماعية جهورية يتشارك فيها الحاضرون.
‘الصحن’ الثقافي اليومي
لا لبيع الكتب بل للتلاقي
تدريجيًّا راح راي يتأَقْلم مع هذا الفضاء الجديد، ويعمل في وضْع اللوائح المطلوبة، تصميم الندوات، الإِعلام والإِعلان على منصّات التواصل الإِلكترونية، خدمة الزبائن كتُبًا وفناجين قهوة. لم يكن يَضجر من هذه الترتيبات والإِجراءات، لأَنه كان يُحب عمله الجديد: جلْب الكتب الصادرة حديثًا، والمرشَّحة التداول، والطلب عليها، جمْع أَديب مع آخَر في مكتبته، التعريف بكاتب جديد لا يعرفه روَّاد المكتبة، استقبال الصغار واختيار كتب لهم يقرأْونها ويناقشهم بها.
إِذًا هو لم يشتَرِ دكَّانًا لبيع الكتب، بل أَنشأَ واحةً للتلاقي والتبادُل واكتشاف تأْثير الكتاب على القراء.
الشيخوخة ربيع دائم
الشيخوخة ربيعٌ دائم
أَثبت راي بونِر أَن التقاعُد ليس استقالةً من العمل، بل هو عيشُ شغَفٍ يوميٍّ مع السوى، وبناءُ جسور مع ثقافات الآخرين عبر الكتب، وما يمكنها أَن تفعل في قرائها من تأْثير.
هكذا الشيخوخةُ، في رفقة الكتاب، تصبح ربيعًا جميلًا يتجدَّد كلَّ يوم في جميع الفصول.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.