
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
مصطفى العويك
بعد واحد وعشرين عاماً على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بالجريمة وأكثر اتصالاً بالمعنى: ما هو المشروع الذي حمله؟ ولماذا بدا، في لحظة إقليمية مشتعلة، كأنه فكرة مضادة للاتجاه العام؟ وهل لا يزال قابلاً للحياة؟
كان رفيق الحريري ابن اتفاق الطائف، لا بوصفه نصاً دستورياً فحسب، بل باعتباره إطاراً نهائياً لبناء دولة متوازنة. راهن على المؤسسات، وعلى استعادة القرار السيادي تدريجاً من داخل الشرعية الدستورية، لا عبر المغامرات أو الصدامات المفتوحة.
لم يطرح مشروع مواجهة، بل مشروع تثبيت مرجعية الدولة. وفي زمن كانت فيه بعض الدول تتآكل من الداخل أو تُختزل إلى أدوات في صراعات المحاور، كان هذا الرهان خروجاً عن السياق السائد.
تعامل الحريري مع الاقتصاد بوصفه أداة سياسية بامتياز. أعاد إعمار بيروت باعتبارها رسالة: لبنان مركز، لا هامش، ودولة مستقطبة منتجة، لا ساحة استنزاف.
ربط الاستقرار النقدي بجذب الاستثمارات، وسعى إلى تثبيت صورة لبنان كمركز خدماتي ومالي منفتح على محيطه العربي والعالم. لم يكن الهدف عمراناً فحسب، بل إعادة إدماج لبنان في دورة الاقتصاد الإقليمي والدولي، ومنحه فرصة الدخول في العالم الجديد بعد خروجه منهكاً من الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي.
غير أن التحولات العميقة التي شهدها لبنان والمنطقة بعد اغتياله، إلى جانب الانهيار المالي الداخلي، أطاحت بهذه الميزة التفاضلية، وتقدّمت عواصم أخرى لملء الفراغ، فخسر لبنان موقعاً كان قد اقترب منه.
حرص الحريري على تثبيت لبنان داخل حاضنته العربية، لا تابعاً، بل شريكاً. أراده جسراً بين العالمين العربي والغربي، لا نقطة تماس في محور مغلق.
ومع تصاعد الاصطفافات الإقليمية بعد اغتياله، أصبح التموضع اللبناني أكثر التباساً، ما انعكس توتراً في علاقاته العربية، وترك أثره على أزماته السياسية والاقتصادية اللاحقة. فباتت دولته المسيطر عليها، أقرب إلى محور الممانعة، وتاهت هويته العربية في المؤتمرات والقمم وغاب عن الإجماع العربي، حتى في ذروة الاستهداف الإيراني للسعودية.
تُظهر التجربة أن مشروع رفيق الحريري كان محاولة مستمرة لتدعيم فكرة الدولة في بيئة إقليمية مضطربة وسريعة التحول.
اغتياله لم ينهِ رجلاً فحسب، بل أعاد فتح الصراع على معنى الدولة نفسها، في إقليم يميل أكثر فأكثر إلى العسكرة والتشظي وتغليب موازين القوة على منطق المؤسسات.
اليوم، لا تكمن أهمية استحضاره في الحنين، بل في إعادة طرح سؤاله المؤسس: هل نريد لبنان دولة قابلة للحياة، منفتحة، مستقرة، ذات عمق عربي وعلاقات دولية متوازنة؟ أم نقبل به ساحة تتنازعها المشاريع، وتُدار من خارج مؤسساته؟
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
