
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}
نكبة طرابلس هي نكبة لبنانية عامة. انهيار أبنيتها المتداعية على رؤوس سكانها الفقراء هو صورة معبرة عن واقع البلد عموماً. طرابلس هنا ليست سوى رمز للانهيارات المتتالية أفقياً وعمودياً، في السياسة والعمران والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والرؤية والانتماء والهوية… وما يحصل في طرابلس اليوم سيمتد قريباً إلى مدن ومناطق أخرى نخر الهريان عمرانها بسبب الجهل والفساد والغش وانعدام الضمير وقانون الايجارات وأسباب أخرى.
هذه مدينة كبرى، تختزن كل مواصفات المدينة المركز، عاصمة الشمال اللبناني بامتداداته السورية نحو الساحل والداخل الحمصي، هي “البلد” وأم الفقير ومجمع القرى الوافدة من عكار والضنية لتقيم في مجمعاتها العشوائية وابنيتها المتهالكة هرباً من حرمان طويل ما زال مقيماً. وطرابلس هي أيضاً ذاكرة شامية وعربية وصليبية ومملوكية وعثمانية ولبنانية، مسيحية وإسلامية وحاضرة مدنية اقتصادية ذات أدوار تاريخية مؤثرة.
لو كانت طرابلس في بلد آخر، أي بلد، لكان لها شأن آخر ولكانت المدينة الأولى في التنمية والسياحة والخدمات المتقدمة، لكن قدرها أن من تولوا شأن البلد وشأنها دائماً ما اعتبروها قرية كبيرة وألحقوها بالعاصمة المركزية. لا يعرف شيئاً عن لبنان من لم يعرف طرابلس من الداخل، من لم يزر قلعتها ويتجول في أسواقها الداخية التاريخية وصناعاتها الحرفية التقليدية، هي عالم آخر مختلف كلياً عن مناطق الترويج السياحي المعروفة من متنزهات وشواطئ ومطاعم ومنتجعات… طرابلس هي صنو دمشق وحلب تضاهيهما في ما تضمه من آثار وتقاليد وعراقة رغم الفارق الكبير في الحجم وعدد السكان.
ليست طرابلس مدينة أصولية متطرفة كما يصورها مغرضون وبعض الإعلام الجاهل والمتحامل، تشبه غيرها من المناطق الأخرى، لا أكثر ولا أقل. هي جزء من المجتمع اللبناني العام بانقساماته الطائفية والمذهبية وتنوعه الثقافي وليست صورة نافرة عنه على الإطلاق، وهي من أكثر المدن استقطاباً لأبناء جميع الطوائف. ذلك لا ينفي الاستغلال الكبير لشرائح من أبنائها في فترات افتعال الحروب الداخلية التي كان فقراؤها وقوداً لها وهي مسؤولة بشكل كبير عن كثير من الانهيارات الحالية في عمرانها.
طرابلس اليوم مدينة منكوبة بكل معنى الكلمة، مدينة تنهار. أبنية تسقط على سكانها وأخرى توشك على السقوط ومئات مرشحة للسقوط قريباً إذا لم يتم إنقاذها. هذا وضع كارثي حقيقي له أسبابه الكثيرة التي لا تقدم معرفتها ولا تؤخر. الواقعة واقعة والمدينة تحتاج إلى خطة إنقاذ واسعة، عاجلة ومكلفة.
الدولة عاجزة ومهترئة، تماماً كالبنايات المتهالكة الآيلة للسقوط، لا موازنة لمثل هذه الحالات ولا احتياط في الموازنة ولا مساعدات خارجية في ظل الحصار المضروب لغايات سياسية وعسكرية، فضلاً عن التعقيدات السياسية والإدارية والطائفية التي ترافق عادة عمليات اعادة الإعمار في الماطق المنكوبة. فكيف لبلد مفلس أن يقود عملية إجلاء وإسكان وتأمين الرعاية الصحية والاجتماعية وترميم وهدم وإعادة بناء طويلة الأجل لآلاف العائلات؟ ما قدمته وما أعلنت عنه الحكومة حتى الآن هو عملية إغاثة سريعة موقتة فيما المطلوب “خطة مارشال”.
الوضع استثنائي وإنقاذ طرابلس يتطلب عملا استثنائياً جداً، صحيح أنه مسؤولية الدولة أولاً، لكن الوضع لا يحتمل روتين الدولة وأعذارها وعدم قدرتها. هنا تصبح المسؤولية جماعية، مسؤولية أهل طرابلس ومؤسساتهم ومسؤولية المرجعية الروحية أيضاً- إذا كان ما زال لها ثقل معنوي على الاقل-. وطبعاً بالدرجة الأولى أثرياء المدينة من مليارديرية ومليونيرية وهم معروفون بالأسماء وبثرواتهم وإمكاناتهم وكذلك الطبقة السياسية التي بنت زعاماتها على أكتاف الناس ولم تقدم لهم حتى الآن سوى بيانات الترحم على الضحايا وتمني الشفاء العاجل للجرحى واستغلال مصيبتهم في بازار الانتخابات القادمة.
إنقاذ طرابلس مهمة إنسانية عاجلة تحتاج مالاً ومتطوعين وفاعلي خير في ورشة تتضافر فيها جهود البلدية وإدارات الدولة ورجال الأعمال والمتبرعين في إطار يتمتع بالمصداقية والشفافية والثقة ويكون بعيداً عن السياسيين وأحزابهم كي لا يتحول إلى سوق مزايدات ومناكفات. ربما تكون خطوات قد بدأت في هذا السياق عبر إنشاء صندوق أهلي لتأمين التمويل اللازم وتقديم الخبرات الهندسية مجاناً على أن تقدم شركات الإعمار والتعهدات خدماتها أيضاً. وكل ذلك ربما يتطلب إطاراً قانونياً خاصاً لمخطط توجيهي جديد يرفع عامل الاستثمار بعد الهدم ما يؤمن مداخيل مستقبلية تعوض بعض الكلفة.
طرابلس ليست مدينة عادية ولا مدينة فقيرة. إنها فقط مدينة مظلومة.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
