
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
في وقت لا تزال فيه الحرب الأوكرانية تستنزف أوروبا سياسياً وأمنياً، برزت أبوظبي كمساحة ديبلوماسية فاعلة أعادت إحياء قنوات الحوار بين أطراف الصراع، في مشهد يعكس تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. فبينما عجزت المنصات الأوروبية التقليدية والمؤسسات الدولية عن إنتاج مسار تفاوضي مستدام، استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تفرض نفسها كوسيط موثوق قادر على إدارة واحد من أعقد النزاعات المعاصرة.
لم يكن هذا الدور الإماراتي وليد لحظة عابرة، بل جاء نتيجة مقاربة تراكمية اعتمدت على الديبلوماسية الهادئة وبناء الثقة خطوة بخطوة. فمنذ أواخر عام 2022، بدأت أبوظبي بلعب دور محوري في ملف تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وهو الملف الأكثر حساسية في حرب تتسم بانعدام شبه كامل للثقة. ومع نجاح عشرات عمليات التبادل، تحوّل المسار الإنساني إلى قاعدة صلبة مهّدت للانتقال نحو وساطة سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.
أصبحت أبوظبي بحلول مطلع عام 2026، منصة رئيسية للمحادثات الثلاثية التي ضمت الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا. اختيار الإمارات لاستضافة هذه اللقاءات لم يكن تفصيلاً شكلياً، بل عكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن أبوظبي تمثل بيئة محايدة وآمنة للحوار، بعيداً عن الاستقطاب السياسي والضغوط الإعلامية.
والأهم أن هذه المحادثات لم تقتصر على ديبلوماسيين تقليديين، بل شملت قيادات عسكرية واستخباراتية رفيعة، ما يشير إلى انتقال التفاوض من الخطاب السياسي العام إلى مناقشة التفاصيل الفنية للأمن ووقف إطلاق النار.
إن نجاح أبوظبي في هذا المسار يعود إلى قدرتها على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. فهي شريك استراتيجي للولايات المتحدة، وتحتفظ في الوقت ذاته بقنوات مفتوحة مع موسكو، دون أن تنظر إليها كطرف منحاز. هذا التوازن منح الإمارات ما تفتقر إليه عواصم أخرى: المصداقية والقدرة العملية على جمع الخصوم حول طاولة واحدة.
الإنجاز الأبرز الذي خرجت به محادثات أبوظبي تمثل في إعادة تأسيس قنوات الاتصال العسكري المباشر بين الولايات المتحدة وروسيا، بعد انقطاع دام منذ ما قبل اندلاع الحرب. هذا التطور لا يقل أهمية عن أي اتفاق سياسي، إذ يقلل من مخاطر التصعيد غير المقصود بين قوتين نوويتين، ويؤسس لإدارة الصراع بدل تركه ينفلت نحو مواجهات أوسع.
صحيح أن القضايا الجوهرية، وعلى رأسها ملف الأراضي والسيادة، لا تزال تشكل عقبة أمام تسوية شاملة، لكن القيمة الحقيقية لمسار أبوظبي تكمن في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ومنع الانهيار الكامل لقواعد التفاوض. وفي ظل تراجع الثقة الأوروبية بالقيادة الأميركية التقليدية، وصعود عالم متعدد الأقطاب، تبرز الإمارات كنموذج لدور القوى المتوسطة القادرة على المساهمة في إدارة الأزمات الدولية الكبرى.
لم تعد أبوظبي مجرد مكان محايد للمفاوضات، بل أصبحت فاعلاً ديبلوماسياً مؤثراً في إعادة تعريف مفهوم الوساطة الدولية، بما يعكس تحولات أوسع في موازين القوة والدور في النظام العالمي.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب ـ بون
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
