أخبار

مجلس السلام ومجلس الأمن: نموذج جديد للتكامل في صنع السلام الدولي

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

إريك ألتر*
يمثّل مجلس السلام، الذي أُنشئ بموجب قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2803، تجربة جديدة ومثيرة للجدل في مجال صنع السلام الدولي، تتجاوز بكثير حدود تثبيت الاستقرار وإعادة الإعمار في غزة. ويعكس تكوين المجلس، الذي يضم الإمارات العربية المتحدة، والمجر، وباكستان، وإسرائيل، وتركيا، وقطر، ودولًا أخرى، ائتلافاً متنوعاً يغلّب منطق البراغماتية وإبرام التفاهمات العملية على آليات التوافق المتعدد الطرف التقليدي.
وقد أثار منتقدون مخاوف من أن يؤدي إنشاء هذا المجلس إلى إضعاف الأمم المتحدة عبر خلق هيكلٍ موازٍ قد ينتقص من سلطة مجلس الأمن. غير أنّ الطرح الأكثر إقناعاً يتمثّل في أن مجلس السلام يمكن أن يشكّل إضافة نوعية مكمّلة لعمل مجلس الأمن، لا منافساً له.

المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف مصافحاً الممثل الأعلى لغزة نيكولاي ملادينوف في دافوس.(أف ب)

فبنيته المرنة، وتكوينه المتنوّع، وتركيزه على تنفيذ الأعمال الميدانية، تتيح معالجة أوجه قصورٍ طال أمدها في مقاربة الأمم المتحدة لحل النزاعات، وذلك من دون المساس بالأولوية القانونية والسياسية لمجلس الأمن بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وقد أظهرت الأزمات المتكررة في أوكرانيا وسوريا، وما أعقب حرب غزة، كيف يمكن لحقّ النقض (الفيتو) أن يُصيب مجلس الأمن بالشلل في اللحظات التي تتطلّب تدخّلاً سريعاً وحاسماً.
في مثل هذه الظروف، يأتي مجلس السلام بديلاً أكثر مرونة. فبحكم تحرّره من قيود الفيتو، فهو قادر على الانعقاد خلال فترات وجيزة لمعالجة بؤر توتّر ناشئة، وتقديم توصيات مباشرة إلى مجلس الأمن. ولا تنتقص هذه الوظيفة الاستشارية من صلاحيات المجلس، بل تُثري مداولاته برؤى مستمدة من طيف أوسع من الدول، بما يعزّز حواراً أكثر شمولاً حول استقرار النظام الدولي.

وأما الإمكانات الأكبر لمجلس السلام فإنها تكمن في مجالي الديبلوماسية الوقائية والوساطة، وهما مجالان يواجه فيهما مجلس الأمن تحديات واضحة. فبينما يتمتّع مجلس الأمن بأدوات قوية للاستجابة للأزمات مثل نشر القوات، وفرض حظر الأسلحة، وفرض العقوبات، فإنه غالباً ما تؤدي بيروقراطيته المعقّدة وحساباته السياسية المتشابكة إلى إبطاء التحرّك المبكر أو تعطيله، ما يسمح بتفاقم التوترات وتحولها إلى أزمات أوسع.
وهنا تحديداً يمكن لمجلس السلام أن يُحدث فارقاً ملموساً، إذ توفّر لجانه المتدرجة سرعة ومرونة يفتقر إليهما مجلس الأمن في كثير من الأحيان، ما يمكّن من اعتماد ديبلوماسية أكثر ديناميكية واستجابة، بحيث يستطيع المجلس التحرك بسرعة عبر إرسال مبعوثين للتنقّل بين أطراف غير مستعدة للاجتماع وجهاً لوجه، أو إدارة قنوات اتصال خلفية بسرّية، أو الانخراط مع الخصوم عند أولى مؤشرات التوتر. ومن خلال تزويد مجلس الأمن معلومات ميدانية مباشرة وتوصيات عملية، يمكن مجلس السلام أن يعمل كنظام إنذار مبكر فعّال، يرصد المخاطر ويقترح خطوات ملموسة لاحتواء النزاعات قبل خروجها عن السيطرة.
ويتقاطع هذا الدور مع الدعوات المتكررة للأمم المتحدة إلى تعزيز الوقاية من النزاعات، عبر نقل التركيز من إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى منع نشوئها من الأساس. وعملياً، قد يعني ذلك احتواء خلافات محدودة أو تصعيدات موضعية قبل أن تتطوّر إلى مواجهات أوسع وأكثر تدميراً.

وفي غزة، بدأ مجلس السلام بالفعل بالتعاون مع الممثل السامي واللجنة الوطنية لإدارة شؤون القطاع، بهدف استعادة البنية التحتية، ودعم التعليم، وتعزيز الحوكمة، وهي مهمات طالما عانت بعثات الأمم المتحدة من نقص الموارد المخصّصة لها. كما يقدّم المجلس أصواتاً جديدة تشتد الحاجة إليها داخل منظومة ظلّ هيكلها الأساسي شبه ثابت منذ عام 1945. فمع عضوية تمتد عبر الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا وغيرها، يستطيع المجلس دمج مساهمات من المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والخبراء في مجال التكنولوجيا.
ورغم التحفّظات التي يطرحها بعض المشكّكين بشأن احتمال تأثير مجلس السلام على منظومة الحوكمة العالمية أو على دور الأمم المتحدة، فإن هذا القلق لا يخرج عن إطار تجارب سابقة في عمل مجلس الأمن. فقد درج المجلس، في ظروف معيّنة، على تفويض مهمات تنفيذية الى منظمات إقليمية، بما يعكس مرونة النظام الدولي في التعامل مع تعقيدات الأزمات. وفي هذا الإطار، يمكن لشراكة مدروسة مع مجلس السلام -خصوصاً في ظل تعثّر التوافق داخل مجلس الأمن- أن تعزّز التكامل المؤسسي بدلاً من أن تُحدث ازدواجية في الأدوار.
طموحات مجلس السلام لا تقتصر على غزة وحدها، إذ يقدّم المجلس نفسه كشريك متخصّص لمجلس الأمن الدولي، لا كمنافس له. ففي النزاعات المرتبطة بالمناخ على سبيل المثال يمكن المجلس أن يقود جهود تكيّف ميدانية موجّهة، تُترجم القرارات الدولية الرفيعة المستوى إلى نتائج ملموسة على الأرض.
ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، فالشفافية والمساءلة الصارمة شرطٌان أساسيان لمعالجة المخاوف المرتبطة بالنفوذ غير المتوازن، وخصوصاً  دور الولايات المتحدة. كما يشكّل تأمين تمويل مستدام تحدياً آخر، يمكن التعامل معه عبر آليات تمويل هجينة تجمع بين مساهمات طوعية من الدول الأعضاء وميزانية عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. والأهم من ذلك، ضرورة توسيع مشاركة دول الجنوب العالمي؛ إذ إن غياب تمثيل فعّال من إفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب آسيا قد يعرض المجلس لاتهامات بإعادة إنتاج مبادرات ذات طابع إمبراطوري في إطار متعدد الطرف.
إلا أنه مع حسن الإدارة والتوظيف، يمكن مجلس السلام أن يبعث حياة جديدة في نظام الأمن الجماعي، الذي كثيراً ما تعثّر عبر التاريخ.

*عميد برامج الدراسات العليا، أكاديمية أنور قرقاش الديبلوماسية

 

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى