
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
تصاعد في اليومين الماضيين الحديث عن اللامركزية في سوريا في أكثر من عاصمة، على ألسنة أطراف متباينة: وزير خارجية دولة كبرى، قيادات كردية شاركت في مؤتمر دولي، وشهادة أمام الكونغرس تربط الحكم المحلي بالاستقرار وإعادة الإعمار. ما كان يُطرح سابقاً بوصفه مطلباً داخلياً لبعض المكوّنات، عاد ليظهر في خطاب دولي مباشر، مع تسمية أطراف محددة، وفي سياق اتفاق قيد التنفيذ بين دمشق و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد). فهل نحن أمام إعادة تعريف للامركزية في داخل الدولة السورية، أم أمام مسار جديد لإعادة توزيع السلطة عبر اتفاقات مع المكوّنات؟
الشرارة جاءت من تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي قال إن الولايات المتحدة “راضية عن المسار القائم في سوريا”، بعد الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة إبرام “اتفاقات من النوع نفسه مع الدروز والبدو والعلويين، ومع جميع مكونات المجتمع السوري المتنوع للغاية”. لم يحدد روبيو طبيعة هذه الاتفاقات، غير أن السياق يوحي بأنه يقصد تفاهمات شبيهة بالاتفاق الموقع بين دمشق و”قسد”. الأهم في كلامه لم يكن الحديث العام عن الاستقرار، بل تسمية مكوّنات بعينها كوحدات ينبغي إبرام اتفاقات معها، ما يضع فكرة التفاهم الثنائي مع المكوّنات في صلب النقاش حول مستقبل الدولة.
في موازاة ذلك، برزت مشاركة قائد “قسد” مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد في مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث حضرا اجتماعاً ضم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الخارجية الأميركي. كانت هذه المشاركة لافتة، إذ لا يشغل عبدي وأحمد مناصب رسمية ضمن مؤسسات الدولة السورية، ومع ذلك شاركا في لقاء دولي إلى جانب وزير خارجية بلادهم في إطار البحث في تنفيذ اتفاق الدمج العسكري والإداري بين دمشق و”قسد”. حضور غير رسمي في مؤتمر دولي، ومشاركة في اجتماع بهذا المستوى، يعكسان انتقال المكوّن من موقع إداري محلي إلى موقع تفاوضي في مشهد دولي.
قالت إلهام أحمد إن الاتفاق مع دمشق “لا يتضمن حلاً للإدارة الذاتية”، بل يجري بحث إعادة ترتيب مؤسساتها “ضمن إطار لا مركزي داخل الدولة السورية الموحدة”. أما عبدي فأكد أن الأكراد “يريدون حكماً كردياً محلياً تحت أي مسمى كان”، معتبراً أن الخلاف مع الحكومة السورية يتمحور حول “العناوين والمصطلحات”، لا حول مبدأ إدارة المناطق محلياً وحماية خصوصيتها. وكان عبدي قد قال في تصريحات سابقة إن المناطق الكردية ينبغي أن تُدار عسكرياً وأمنياً وإدارياً من قبل أبنائها.
قبل ذلك بأيام، وخلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، تحدث السفير الأميركي السابق جيمس جيفري عن ضرورة “تعزيز الحكم المحلي” في سوريا، معتبراً أنه عنصر أساسيّ لكسب ولاء الأكراد ومجموعات أقليات أخرى. وربط بين تحقيق تقدّم ملموس في هذا الاتجاه وبين الحصول على دعم واسع لإعادة الإعمار، مستشهداً بالمادتين 122 و123 من الدستور العراقي لعام 2005 بوصفهما مثالين على سلطات حكم محلي ضمن دولة واحدة. هنا، لم يكن الحديث عن اتفاقات جزئية، بل عن صيغة مؤسّسية للحكم المحليّ داخل دولة موحدة.
هذا التوازي بين تصريحات روبيو وشهادة جيفري يسلّط الضوء على تباين في المقاربة داخل السياسة الأميركية نفسها. فالمبعوث الأميركي توم براك أكد في مناسبات سابقة دعمه لحكومة مركزية قوية في سوريا، واعتبر أن نماذج الفيدرالية واللامركزية السياسية في المنطقة لم تحقق الاستقرار المنشود. في المقابل، يظهر في تصريحات روبيو وشهادة جيفري انفتاح على فكرة اتفاقات مع مكوّنات محددة، وعلى تعزيز الحكم المحلي بوصفه مدخلاً للاستقرار. التباين هنا لا يقتصر على اختلاف في المصطلحات، بل يطال طبيعة الرؤية: دولة مركزية قوية، أم دولة تقوم على تفاهمات مع مكوّناتها؟
ليست جديدة
داخلياً، لم تكن مطالب اللامركزية جديدة. فقيادات كردية تحدثت منذ أشهر عن الفيدرالية أو الحكم الذاتي بصيغ مختلفة. كما رفعت أصوات درزية، على وقع أحداث دامية في الساحل والسويداء وتصعيد عسكري في الشمال الشرقي، سقف مطالبها إلى حد الحديث عن الانفصال. وفي الساحل برزت دعوات علوية إلى صيغ حكم محليّ أوسع بعد موجة العنف التي شهدتها المنطقة. وكان الشيخ غزال غزال قد طالب أكثر من مرة باللامركزية والفيدرالية قبل أن يغيب المصطلحان عن خطابه الأخير ليحلّ محلهما حديث عن التشاركية والتمثيل.
في المقابل، أصرت السلطة الموقتة في دمشق على مركزية الدولة ووحدة الأراضي، ورفضت أي طرح يُفهم منه تقسيم أو انفصال، ووصفت بعض الدعوات إلى اللامركزية بأنها مساس بوحدة البلاد.
وسط هذا الجدل، أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة قراراً بتفويض المحافظين بعدد من صلاحياته، في خطوة قالت الوزارة إنها تهدف إلى تعزيز “اللامركزية الخدمية” وتسريع الإجراءات. لكن هذه الخطوة تندرج ضمن اللامركزية الإدارية المنصوص عليها في القانون ذي الرقم 107، الصادر في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، ولا ترقى إلى مستوى اللامركزية السياسية التي تطالب بها أطراف محلية. وقرأها بعض المراقبين بوصفها محاولة لاحتواء النقاش ضمن حدود إدارية لا سياسية. سبق ذلك حديث عن خطة لوزارة الداخلية تقضي بإعادة هيكلة المنظومة الأمنية عبر تقسيم البلاد إلى خمسة قطاعات أمنية، تحت إشراف مشترك، في خطوة أثارت نقاشاً بشأن ما إذا كانت تعكس توجهاً نحو توزيع جغرافي للصلاحيات، غير أنها لم تُترجم عملياً على الأرض.
تكمن المفارقة في أن هذا التصاعد في الحديث عن اللامركزية جاء بعد بدء تنفيذ اتفاق دمشق و”قسد”، الذي اعتبره البعض إنهاءً عملياً لمطالب الحكم الذاتي بإعادة مناطق شمال شرقي البلاد إلى سلطة الدولة. لكن الآلية نفسها، التي قُدمت باعتبارها تعزيزاً للمركزية، باتت تُطرح نموذجاً لتفاهمات مماثلة مع مكوّنات أخرى. اتفاق يُفترض أنه أعاد تثبيت سلطة المركز، يتحول في الخطاب الدولي إلى صيغة يُقترح تعميمها.
هنا يبرز السؤال الأعمق: هل تتحول اللامركزية في سوريا من مشروع دستوري شامل إلى شبكة اتفاقات ثنائية مع مكوّنات محددة؟ وهل تعيد الدولة تعريف نفسها من الداخل عبر إصلاح مؤسسي واضح، أم يجري إعادة توزيع السلطة عبر تفاهمات جزئية تُبرم تحت عنوان الاستقرار؟ الإجابة لم تتبلور بعد، لكن المؤكد أن اللامركزية لم تعد مجرد مطلب محلي، بل أصبحت جزءاً من اللغة السياسية المتداولة في النقاش الدولي بشأن مستقبل سوريا.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
