أخبار

آن كلير لوجاندر تخلف جاك لانغ على رأس معهد العالم العربي في باريس

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

انتُخبت مستشارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الديبلوماسية آن كلير لوجاندر، اليوم، رئيسةً لمعهد العالم العربي في باريس، خلفاً لجاك لانغ الذي دُفع إلى التنحّي بسبب علاقاته بجيفري إبستين، على ما أعلنت المؤسسة.

وجاء في بيان للمعهد أنّه “بعد اجتماعٍ استثنائي لمجلس الإدارة، أخذ معهد العالم العربي علماً بالاستقالة الرسمية لرئيسه جاك لانغ”، وأنّه “بناءً على اقتراح الدولة الفرنسية، انتُخبت آن-كلير لوجاندر بالإجماع رئيسةً”، لتصبح “أول امرأة” تتولى رئاسته.

تحوّل معهد العالم العربي اليوم، ذلك الصرح المشيّد من الزجاج والفولاذ بتصميم جان نوفيل على ضفاف نهر السين، إلى بؤرة انتقال رمزي كبير في الديبلوماسية الثقافية الفرنسية. الاجتماع الاستثنائي لمجلس الإدارة، الذي عُقد لتعيين خلف للانغ طوى حقبة امتدت ثلاثة عشر عاماً اتّسمت بكاريزما شخصية تاريخية من اليسار الفرنسي، وفتح الطريق أمام جيل جديد من التكنوقراط رفيعي المستوى، تصدّرتهم لوجاندر.

 

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومستشارته آن كلير لوجاندر في العريش بمصر في نيسان/أبريل الماضي. (أف ب)

 

استقالة جاك لانغ، التي عجّلت بها انكشافات مرتبطة بقضية إبستين وتحقيقات في غسل عائدات احتيال ضريبي، خلّفت مؤسسة مرموقة في مواجهة فراغ قيادي. وفي هذا السياق، برز ملف لوجاندر كثمرة استراتيجية طويلة الأمد ترمي إلى إضفاء الطابع المهني ونزع الطابع السياسي عن إدارة أدوات “القوة الناعمة” الفرنسية الكبرى.

جذور أكاديمية لخبيرة في شؤون المشرق
يكشف مسار لوجاندر عن إرادة مبكرة لربط التحليل السياسي الشامل بخبرة تقنية ولغوية نادرة. تخرّجت في معهد الدراسات السياسية في باريس (Sciences Po)، لكنها لم تكتفِ بعموميات العلاقات الدولية. شكّل مرورها بالمعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO)، حيث نالت ديبلوم اللغة العربية عام 2002، نقطة التحوّل في مسيرتها. فإتقانها العربية كان الأداة التي مكّنتها من الالتحاق بـ”إطار الشرق” المرموق في وزارة الشؤون الخارجية، وهو قسم مخصص للديبلوماسيين المتخصصين في المناطق الجغرافية المعقّدة.

استُكمل رصيدها الفكري بدراسات في الأدب الحديث في جامعة السوربون-نوفيل، ما منحها سلاسة تحريرية وقدرة على التحليل الثقافي ستتبدّى أهميتهما في مهامها اللاحقة كناطقة باسم الوزارة، واليوم كرئيسة لمعهد العالم العربي. هذا التكوين الثلاثي – السياسي واللغوي والأدبي – يرسم ملامح ديبلوماسية قادرة على فهم موازين القوى بين الدول، كما على استيعاب الدقائق الثقافية والسرديات التي تصوغ الرأي العام في العالم العربي.

 

جاك لانغ مع جيفري إبستين في باريس. (الإدارة الأميركية)

 

دخول لوجاندر إلى “الكي دورسيه” ككاتبة للشؤون الخارجية متدرّبة في أيلول/سبتمبر 2007 شكّل بداية صعود وصفه كثيرون بـ”الخاطف”. ومنذ سنواتها الأولى، أُلحقت بمناطق توتر، لا سيما في السفارة الفرنسية في اليمن بين 2005 و2006، حيث شغلت منصب مستشارة للاتصال. وقد أتاح لها هذا الانغماس هناك أن تختبر تعلّمها النظري للعربية في واقع الميدان الديبلوماسي القاسي.

وجه تكنوقراطي لقيادة القوة الناعمة
تُمثل لوجاندر جيلاً جديداً من الديبلوماسية الفرنسية التي تدمج بين الخبرة الميدانية العميقة والأدوات التقنية الحديثة؛ فقد صقلت مهاراتها السياسية في أروقة ديوان فابيوس والبعثة الدائمة للأمم المتحدة، حيث أدارت أزمات الشرق الأوسط المعقّدة وتمرّست في العمل متعدّد الأطراف. وبصفتها أول امرأة تشغل منصب القنصل العام في نيويورك وسفيرةً سابقة في الكويت، نجحت في الجمع بين “الديبلوماسية النسوية” وتعزيز الجاذبية الاقتصادية والتكنولوجية لفرنسا، وصولاً إلى توليها منصب المتحدثة الرسمية باسم “الكي دورسيه”، حيث قادت ببراعة جهود تحديث الاتصال الحكومي ومواجهة حروب المعلومات خلال الأزمة الأوكرانية.

 

الرئيس السابق لمعهد العالم العربي جاك لانغ. (أ ف ب)

 

تُعدّ لوجاندر اليوم “مهندسة نفوذ” في قلب الإليزيه بصفتها مستشارة لماكرون، حيث تؤدي دوراً براغماتياً في قضايا غزة والتقارب مع المغرب، مما يجعلها المرشحة الأوفر حظاً لرئاسة معهد العالم العربي في 2026. وتستند قوتها إلى ميزة تنافسية فريدة تجمع بين التزكية الرئاسية، وإتقانها للغة العربية، والقدرة على تحويل الأدوات الثقافية إلى منصات للشراكات المتكافئة، متجاوزةً الأنماط الديبلوماسية التقليدية نحو نموذج عملياتي يربط بين الأمن الاستراتيجي والتواصل المباشر مع الشعوب.

تحديات الرئيسة المقبلة
ترث لوجاندر اليوم مؤسَّسةً استعادت بريقها تحت قيادة جاك لانغ (750 ألف زائر في 2023)، لكنها مطالبة بإعادة ابتكار نفسها. لم يعد بإمكان المعهد أن يظلّ مجرد فضاء لمعارض مرموقة؛ إنّما ينبغي أن يصبح مركز تفكير في رهانات الحداثة العربية: الانتقال البيئي، وحقوق المرأة، والثورة الرقمية، والحوار بين الأديان.

 

واجهة معهد العالم العربي في باريس. (أ ف ب)

 

كما أن خبرتها في الاتصال ومكافحة التضليل ستكون رصيداً لتحويل المعهد إلى حصن في مواجهة التطرفات وحملات التلاعب بالمعلومات التي تستهدف الشباب العربي في فرنسا. وستكون مطالبة بتحويل المعهد – “الأداة الديبلوماسية” – إلى جسر ثقافي حقيقي، قادر على الصمود أمام الاضطرابات الجيوسياسية مع الحفاظ على التميز العلمي والفني.

تجسيد التجديد
تبرز لوجاندر اليوم امرأة ملفات وفعل، وتمثّل حصيلة مسار امتياز داخل الدولة الفرنسية؛ وقد استطاعت تحويل خبرتها التقنية في شؤون العالم العربي إلى رافعة نفوذ عالمي. وتعيينها على رأس معهد العالم العربي يشكلّ رمزاً لانتقال المشعل بين ديبلوماسية التمثيل التي جسدها جاك لانغ وديبلوماسية الفاعلية العملياتية.

وتمتلك لوجاندر كلّ الأدوات لجعل المعهد لا مجرد معلم باريسي، بل محرّكاً للعلاقة الفرنسية – العربية في المستقبل. وسيكون تحدّيها هائلاً: التوفيق بين الذاكرة والحاضر، وتهدئة التوترات الهويّاتية، وإسقاط الثقافة العربية في أفق الحداثة، مع البقاء حارسةً لمصالح فرنسا في منطقة أكثر تقلباً من أي وقت مضى.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى