
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
في عام 2022، أصبحوا أبطالاً، وخلال 2026 سيأتون بقوة للدفاع عن لقبهم ووضع أسمائهم مرة أخرى في التاريخ
من معاناة النهائيات الخاسرة إلى الفرح في قطر، هذه قصة فريق حوّل الألم إلى قوة والعاطفة إلى مصير. أمة لا تكتفي بالمشاركة في كأس العالم فحسب، بل تشعر به.
Getty Images
الشغف كراية
في عالم كأس العالم، حيث تتعايش القوى والتقاليد والملاحم، هناك كلمة واحدة لا محالة تؤدي إلى اسم واحد: العاطفة. الأرجنتين لا تشارك فقط، بل تنبض كجسد واحد. لا تلعب فقط، بل تنقل المشاعر. لقد بنت المنتخب الأرجنتيني إرثًا يتجاوز النتائج؛ فقد حولت كأس العالم إلى أرض عاطفية، وميدان اختبار للروح. حيث يرى الآخرون بطولة، ترى الأرجنتين مصيرًا. حيث يرى الآخرون مباراة، ترى الأرجنتين تاريخًا.
هذا الإرث لا يقاس فقط بالألقاب، بل بالمعنى الذي تحمله هذه الألقاب، وكذلك بالهزائم المؤلمة، لأنها هي التي شكلت الشخصية والهوية والرواية التي بلغت ذروتها في قطر عام 2022.
من المستحيل فهم تتويج ليونيل ميسي برفع كأس العالم دون المرور أولاً بالطرق التي قادته إلى هناك: الإحباطات، النهائيات الخاسرة، الانتقادات والكرب. لعقود من الزمن، عاش كرة القدم الأرجنتينية التوتر بين الموهبة والمعاناة، بين الأمل وخيبة الأمل، حتى قررت هذه العاطفة، التي جرحت مرات عديدة، أن تتحول إلى مصير.
Getty Images
إرث صُنع في النار
دخلت الأرجنتين تاريخ كأس العالم كواحدة من أكثر الفرق عاطفية وعاطفية. منذ عام 1930، في النسخة الأولى، أظهرت الألبيسيليستي طبيعتها القتالية؛ لم يكن الأمر مجرد كرة قدم، بل كان فخرًا. ولكن في عام 1978، وخاصة في عام 1986، أشعلت الأرجنتين النار المقدسة لإنجازاتها العالمية. هناك ولد الأسطورة المعاصرة: البلد الذي ينتج العباقرة والمحاربين، والذي يحول كرة القدم إلى هوية جماعية.
لكن بعد دييجو مارادونا، جاءت الجروح: إيطاليا في عام 1990 والنهائي المؤلم ضد ألمانيا؛ النهاية المفاجئة للحلم في الولايات المتحدة في عام 1994؛ فرنسا في عام 1998 والإقصاء القاسي أمام هولندا؛ كوريا الجنوبية واليابان في عام 2002، مع الضربة الأكثر غير المتوقعة في مرحلة المجموعات؛ ألمانيا 2006 وجنوب أفريقيا 2010، مع سقف ثابت دائمًا في ربع النهائي. وهكذا، بينما كان العالم يعجب بالموهبة الأرجنتينية، كان يلاحظ أيضًا ثابتًا: الدراما، وخيبة الأمل، والدموع. لعبت الأرجنتين بقلبها، نعم — لكن هذا القلب كان ينفطر في كثير من الأحيان عندما كانت تحلم أكثر.
Getty Images
نهائيات خاسرة وانهيار داخلي
كان الدورة بين 2014 و 2016 هي الفصل الأكثر إيلامًا والأكثر أهمية في هذه القصة. ثلاث نهائيات متتالية – كأس العالم 2014 وكأس أمريكا 2015 وكأس أمريكا 2016 – انتهت بثلاث هزائم. ثلاث مرات كانت المنتخب الأرجنتيني على بعد خطوة واحدة من لمس السماء بيديه قبل أن يغرق حتماً في الهاوية. لا تزال صورة ليونيل ميسي، وحيداً، وظهره إلى الملعب، ونظرته الضائعة داخل ملعب ماراكانا، جزءاً من الحمض النووي الجماعي للأرجنتينيين.
في ذلك الوقت، واجهت البلاد أسوأ كوابيسها: الانتقادات الداخلية. أصبح المنتخب متهماً بضعف الروح القتالية، وعدم القدرة على الفوز، ودائماً ما يضيع الفرص. ووصفوا بالجبناء والمتخاذلين. بالنسبة للكثيرين، كان اللاعبون “مليونيرات بلا شجاعة”. لا يوجد منتخب آخر في العالم يحمل نفس القدر من العاطفة مثل الأرجنتين، وفي تلك السنوات، أظهرت العاطفة جانبها الأكثر غضبًا. لم يكن الأمر مجرد كرة قدم؛ بل كان هوية، وفخرًا مجروحًا، وأجيالًا كاملة تتساءل عما إذا كان هناك لعنة من القدر.
لكن ما لم يعرفوه هو أن ذلك كان بالضبط المكان الذي ولد فيه الطابع الذي انفجر بعد سنوات في قطر. لم ينهار الفريق؛ بل أصبح أكثر صلابة. الألم، بدلاً من أن يفرّق المجموعة، أدى في النهاية إلى توحيدها.
Getty Images
من الخوف إلى القدر
بدأت حملة كأس العالم 2022 بصدمة كبيرة: الهزيمة أمام السعودية. لكن على عكس الدورات الأخرى، لم تنهار الأرجنتين. كان هناك شيء مختلف. وراء ذلك الفريق كان هناك مجموعة، وقناعة، ووعد داخلي: “هذه المرة لن نموت على الشاطئ”. هذه العبارة، التي لم تقال علناً أبداً، كانت تحوم فوق كل تدريب، وكل رحلة، وكل محادثة في غرفة الملابس. كانت إلحاحية الرقصة الأخيرة، المحاولة الأخيرة لميسي للفوز باللقب الوحيد الذي كان لا يزال يطارده.
في قطر، لم تعد العاطفة جرحًا وجرحًا، بل أصبحت قوة. لم تعد عبئًا مشلًا، بل محركًا لا يمكن إيقافه. كانت المباريات ضد المكسيك وبولندا بمثابة إعادة ميلاد. أظهرت المعركة الملحمية ضد هولندا، المليئة بالجدل والتوتر والفخر الفائض، فريقًا لا يخشى الدراما — بل على العكس، كان مستعدًا لخوضها. كانت المباراة النصف نهائية التالية ضد كرواتيا بمثابة سيمفونية من التحرر.
المباراة النهائية ضد فرنسا، التي اتسمت بسيناريو جنوني وتوجت الأرجنتين باللقب في واحدة من أكبر المباريات النهائية التي أقيمت على الإطلاق، لم تكتف بتتويج أبطال العالم فحسب، بل كانت بمثابة تحول تاريخي. لم تعد الأرجنتين بلد “القريب” والدموع و”ماذا لو؟”، لتعود إلى ما طالما حلمت به: البطل. الذي يختتم القصة، الذي يصرخ. الذي يعيد إلى العاطفة شكلها الأكثر نقاءً: السعادة.
Getty Images
ميسي: من الشرير إلى البطل
لسنوات، كان ميسي البطل غير المكتمل. محبوبًا، لكن غير مفهوم. طلبوا منه أن يكون مارادونا بينما كان ميسي. طالبوا بالغضب بينما كان يقدم الصمت. لكن في قطر، حدث شيء غير عادي: توقفت المنتخب عن اللعب من أجل ميسي وبدأت تلعب مع البرغوث. لم يعد البحث عن منقذ، بل عن بطل.
في قطر، لم يعد ميسي مجرد عبقري، بل أصبح قائدًا روحيًا. كان انفجاره ضد هولندا – “ماذا تنظر أيها الأحمق؟ اذهب إلى هناك!” – أكثر رمزية من أي مراوغة. لأول مرة، رأى العالم ميسي الذي أرادته الأرجنتين، واتحد الفريق بأكمله تحت هذا الحماس.
لم يكتف اللقب بتكريسه بطلًا للعالم، بل حوله إلى شيء أكبر: وريث الإرث الأرجنتيني. رفع مارادونا كأس العالم في المكسيك عام 1986. ورفعها ميسي في قطر عام 2022. مسارات مختلفة، نفس الخلود.
Getty Images
جماهير لا تنافس، بل تنتصر
قليل من المنتخبات تحرك المشاعر مثل الأرجنتين. إنها ليست مجرد جماهير، بل حج. في قطر، غطت الألوان الزرقاء والبيضاء الملاعب كما لو أن البطولة تقام في بوينس آيرس. الشوارع والمترو والأسواق — كل شيء تحول إلى مسرح لأغاني لا تنتهي. سيطرت الأغاني الأرجنتينية على كأس العالم: لم تكن أغنية “Muchachos” مجرد أغنية، بل أصبحت نشيدًا عالميًا.
هناك، أصبح أكبر إرث للأرجنتين واضحًا: شعبها. لطالما قيل إن الأرجنتين لديها مشجعون؛ في قطر، ثبت أن الأرجنتين هي مشجعوها. بالنسبة للأرجنتينيين، كرة القدم ليست مجرد عرض، إنها هوية.
Getty Images
مرشح أبدي
الآن لا تصل الأرجنتين إلى كأس العالم كمرشح واعد، بل كفريق يجب هزيمته. لم ينه اللقب في قطر قصة، بل فتح قصة أخرى. لم يعد هناك أشباح داخلية. لم تعد ذكريات ما فقدناه تثقل كاهلنا. تصل المنتخب إلى أمريكا الشمالية برسالة واضحة: “جئنا للدفاع عما هو ملكنا بالفعل”.
العالم الذي شكك يوماً ما، يخشى الآن الألبيسيليستي لأنه يعلم أن هذا الفريق – الذي تشكل في الألم وتوج بالمجد – لم يعد يلعب من أجل التكفير عن ذنوبه. إنه يلعب لأنه يعرف كيف يفوز.
Getty Images
البيت بالتبني لميسي
تقام بطولة كأس العالم القادمة في أمريكا الشمالية، وهناك شيء رمزي للغاية في ذلك. لم يعد ميسي مجرد قائد منتخب الأرجنتين؛ بل أصبح رمزًا عالميًا يعيش ويلعب على الأراضي الأمريكية. أصبح نادي إنتر ميامي، دون قصد تقريبًا، سفارة عاطفية للأرجنتين. تملأ الملاعب التي يلعب فيها ميسي الأعلام الزرقاء والبيضاء والقمصان التي تحمل الرقم 10 والأطفال الذين يهتفون باسمه باللغة الإسبانية.
ولا يمكن تفسير ذلك بكرة القدم فقط؛ إنه امتداد لإرث بنته الأرجنتين على مدار قرن تقريبًا بالعرق والدموع والحب غير المشروط لكرة القدم.
لأنه إذا كان هناك شيء واحد يميز المنتخب الأرجنتيني في كأس العالم، إلى جانب الألقاب، فهو الشغف. شغف لا يقبل المساومة، لا يفهم المسافات ولا النتائج، يورث من الآباء إلى الأبناء ويتضاعف في كل ركن من أركان الكوكب. هذه الشغف هو الذي دفع آلاف الأرجنتينيين إلى قطر، ورهنوا مدخراتهم، وعبروا الصحاري، وغنوا حتى فقدوا أصواتهم. هذا الشغف هو الذي جعل بلدًا بأكمله يقول، بعد الهزيمة أمام السعودية: “سنفوز على أي حال” – وقد فازوا.
لم يكن قطر 2022 مجرد لقب؛ بل كان كاثارسة جماعية، وتعويضاً تاريخياً. وصلت الأرجنتين وهي مجروحة، تحمل ندوباً مفتوحة من العديد من النهائيات الخاسرة. لكن هذه المرة، تحولت العاطفة إلى قناعة، والقناعة إلى لقب. قام ليونيل سكالوني، بتواضعه وهدوئه، بتوجيه هذه الطاقة. ميسي، الأكثر نضجًا، تخلص من عبء “المسيح” وأصبح ما كان عليه دائمًا: مجرد أرجنتيني آخر، شخص يشعر ويعاني ويحب كرة القدم مثل أي شخص في المدرجات.
منذ تلك البطولة، تغير شيء ما إلى الأبد. أدرك العالم أن مشجعي الأرجنتين ليسوا مجرد ألوان وصخب وفولكلور؛ بل هم أسلوب حياة. في جميع ملاعب قطر، لم تتوقف الأناشيد أبدًا. بينما كان المشجعون الآخرون صامتين، كان الأرجنتينيون يحولون كل مباراة إلى احتفال وطني. تلك الصورة – آلاف القمصان الزرقاء والبيضاء تهتز في الصحراء – لا تزال محفورة كرمز للروح في كرة القدم العالمية.
Getty Images
الآن في عام 2026، تنتقل هذه الشعلة إلى المكسيك وكندا وبالطبع إلى الولايات المتحدة، البلد الذي اعتبر كرة القدم لقرون رياضة أجنبية، لكنه اليوم يتنفس رائحة الماتي و”هيا، هيا أرجنتينا” بفضل ميسي. ليس من قبيل المصادفة أن تقام البطولة المقبلة “على أرضه”: إنها خاتمة مثالية لدائرة كاملة. الصبي الذي حلم بالكأس في روزاريو ورفعها في لوسيل سيدافع الآن عن اللقب في البلد الذي اعتبره وطنه.
في كل مدينة من مدن الولايات المتحدة التي ستلعب فيها المنتخب، سيكون هناك جزء من الأرجنتين. في ميامي، حيث زرع ميسي الحب؛ في نيويورك، حيث تحلم الجاليات الأرجنتينية بالفعل بطلاء تايمز سكوير باللونين الأزرق والأبيض؛ في لوس أنجلوس، حيث يعبد اللاتينيون ميسي كإله معاصر. لن يكون هناك ملعب بدون هتافات أرجنتينية، بدون أعلام عليها عبارة “لا سكالونيتا لا تستسلم”. ستعبر العاطفة الحدود مرة أخرى، الآن بثقة من يعرف أنه بطل العالم.
وليس ذلك بسبب ميسي فحسب، بل بسبب ما تمثله الأرجنتين في تاريخ كأس العالم. من عزيمة ماريو كيمبيس في عام 1978 إلى سحر مارادونا الخالد في عام 1986؛ من دموع عام 2014 إلى الخلاص في عام 2022. كل جيل ترك بصمته، واتحدوا جميعًا في نفس الهتاف: “هيا يا أرجنتين، اللعنة”. هذه العبارة تلخص قرنًا من كرة القدم – من الهزائم والمجد، ومن الهوية.
Getty Images
قطر كانت نقطة تحول لأنها أعادت الأمل. لم تعد الأرجنتين فريق “القريب من الفوز” بل أصبحت الفريق الذي تجرأ على المضي قدماً حتى النهاية. وقد نشأت هذه التحول من شغف الجماهير. لم يكن ذلك نتيجة تكتيك أو استراتيجية، بل نتيجة الشغف الذي يحترق في صدر كل أرجنتيني عندما تبدأ النشيد الوطني. لم يفز المنتخب بموهبته فحسب، بل فاز بروحه.
هذه الروح نفسها ستسافر إلى الولايات المتحدة في عام 2026. ستكون كأس العالم لأطفال قطر، أولئك الذين نشأوا وهم يشاهدون ميسي يقبل الكأس، والذين يؤمنون أن كل شيء ممكن عندما تلعب بقلبك. وستكون أيضًا الكأس التي ستؤكد الإرث الأرجنتيني؛ إرث كرة القدم، ولكن قبل كل شيء، إرث العاطفة. لأن الأرجنتين تعلم العالم أن كرة القدم لا يمكن تفسيرها – بل تشعر بها.
وعندما يرتدي ميسي القميص الأزرق والأبيض مرة أخرى على الأراضي الأمريكية، لن يكون مجرد لاعب يدافع عن لقب؛ بل سيكون رمزًا لأمة حولت الشغف إلى فن. سيتبعه الناس من بوينس آيرس إلى لوس أنجلوس، ومن قرطبة إلى نيويورك. لن توجد مسافة قادرة على منع ذلك.
ستكون كأس العالم 2026 المسرح الذي ستظهر فيه الأرجنتين، مرة أخرى، جوهرها. قد تفوز أو تخسر، ولكن ما لن ينطفئ أبدًا هو تلك الشعلة التي تميزها، حبها المطلق للقميص. ما بدأ في قطر سيستمر في النبض، مع ميسي كرمز وملايين الأصوات تذكر العالم أنه طالما هناك شغف، ستظل الأرجنتين حاضرة دائمًا.
لأنه إذا كان هناك شيء تعلمه كرة القدم من الأرجنتين، فهو أن الألقاب تزول، لكن الشغف يبقى. وهذا الشغف — العناق بين الغرباء، والدموع المشتركة، والصراخ الذي يعبر البحر – هو الإرث الحقيقي للأرجنتين في كأس العالم. إرث لا يقاس بالكؤوس، بل بالقلوب.
وعندما يعود النشيد الوطني في عام 2026 وسط الأعلام والدموع والابتسامات، سيدرك العالم بأسره أن الأرجنتين لن تدافع عن لقب فحسب، بل ستدافع عن أسلوب حياة. وطالما بقيت هذه العاطفة، فلن تتوقف عن كونها بطلة.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
