أخبار

المفاوضات الايرانية بين الصبر والابتزاز

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

أكرم بزي

 

 

 

تكشف المفاوضات الإيرانية– الأميركية الجارية، كما يضيء عليها الاستراتيجي البريطاني ألايستر كرووك، عن شبكة معقدة من الاختلالات البنيوية التي تجعل أي اختراق ديبلوماسي سريع أمراً شديد الصعوبة. فالمسألة، كما يظهر من مسارها العام، لا تتعلق ببند نووي تقني أو بآلية رفع عقوبات محددة، بل بطبيعة العلاقة السياسية والأمنية بين دولتين تتفاوضان من موقعين غير متكافئين في الرؤية والأهداف، وفي تعريف كل منهما لمعنى التفاوض وحدوده ووظيفته.

أول هذه الإختلالات يتمثل في منطق التفاوض نفسه. فإيران تدخل المسار بوصفه عملية سياسية قابلة للأخذ والرد، تقوم على التدرج وتبادل التنازلات المرحلية، بينما تتعامل الولايات المتحدة معه مساحةً لفرض الشروط المسبقة وتكريس موازين القوة. هذا التناقض البنيوي ينسحب مباشرة على طبيعة الملفات المطروحة، اذ تصر طهران على تجزئة القضايا وحصر النقاش بالبرنامج النووي باعتباره موضوعاً قانونياً دولياً، في حين ترفض واشنطن هذا الفصل وتسعى الى دمج النووي بالبرنامج الصاروخي والدور الإقليمي، بما يحول التفاوض الى عملية ضغط مفتوحة بلا سقف واضح ولا نهاية سياسية محددة.
ويتعزز هذا التعثر بتباين واضح في الإيقاع الزمني. فالإيرانيون يعتمدون نفساً تفاوضياً طويلاً، مبنياً على الصبر الإستراتيجي وإدارة الوقت كعنصر من عناصر القوة، بينما يُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ميلاً واضحاً الى استعجال النتائج، بحثاً عن إنجازات سريعة قابلة للتوظيف الداخلي والإعلامي. هذا الاختلاف في التعامل مع الزمن السياسي يجعل أي جولة تفاوضية عرضةً للإنهيار عند أول اختبارٍ جديٍّ، ويحول التفاوض من مسارٍ تراكميٍّ الى سلسلة مواجهات متقطعة.
وفي العمق، تفاوض إيران من موقع دولة ترى نفسها مستقلة وذات سيادة كاملة، وتسعى الى تثبيت اعتراف دولي بدورها الإقليمي، بينما تنظر اليها الولايات المتحدة بوصفها الدولة الوحيدة في الشرق الاوسط التي لاتزال خارج مشروع إعادة الهندسة السياسية والأمنية للمنطقة. من هنا، لا يعود الخلاف حول النووي خلافاً تقنياً قابلاً للحل بتسويات تقنية، بل يتحول الى صراع مفتوح على طبيعة النظام الإقليمي وحدود السيطرة والنفوذ، وعلى من يرسم قواعد اللعبة في المنطقة.
هذا المشهد يزداد تعقيداً مع الضغط المتصاعد الذي يمارسه اللوبي الصهيوني داخل واشنطن، ومحاولة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو توظيف هذا النفوذ لمنع أي تقارب محتمل بين واشنطن وطهران. زيارة نتنياهو العاجلة الى البيت الابيض لا يمكن قراءتها خارج هذا السياق، إذ حمل معه ملفات استخباراتية وسياسية تهدف الى نقل النقاش من منطق التفاوض الى منطق “التهديد الوجودي”، في محاولة لدفع الإدارة الأميركية نحو التشدد أو حتى نحو خيارات المواجهة.
ويزداد هذا الضغط فعالية في ظل الوضع الداخلي الحرج الذي يواجهه ترامب، إذ تلقي فضائح جيفري إبستين بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي الأميركي، وتفتح الباب أمام أشكال متعددة من الابتزاز السياسي والاعلامي. في هذا المناخ، يصبح الرئيس الأميركي أكثر عرضةً لضغوط مراكز النفوذ، وأقلّ قدرة على المناورة أو اتخاذ قرارات استراتيجية قد تُستخدم ضده في الصراع الداخلي.
على مستوى أدوات الصراع، تعتمد واشنطن ما يمكن تسميتها “سياسة القهر”، عبر العقوبات والتهديد والتحكم بمسارات النفط الايراني، ليس للضغط على طهران فحسب، بل أيضاً للتضييق على الصين التي تشكل ركناً أساسياً في الإستراتيجية الإيرانية البعيدة المدى. في المقابل، تواصل إيران انتهاج سياسة الصبر الإستراتيجي، مستندةً الى شبكة تحالفات دولية، وقدرة متراكمة على امتصاص الضغوط، وإدراك أن الزمن يعمل لمصلحتها في ظل تراجع فعالية الأدوات الأميركية التقليدية.
لا تبدو المفاوضات متعثرة بسبب تصلّب ايراني كما يُروّج غربياً، بل بسبب تناقضات عميقة داخل المقاربة الأميركية نفسها، وضغوط إسرائيلية تحاول تعويض تراجع نفوذها التقليدي داخل واشنطن. وبين ابتزاز سياسي لا ينتج تسوية قابلة للحياة، وصبر إستراتيجي لا ينكسر، تبقى طاولة التفاوض رهينة صراعات داخل القرار الأميركي أكثر مما هي رهينة بنود الاتفاق نفسه، وهو ما يفسر استمرار الدوران في حلقة مفرغة حتى اللحظة.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى