أخبار

لحظة الحسم بين الوعد والمسؤولية في عصر الذكاء الاصطناعي

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

*د. إسلام محمد سرور

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية ناشئة أو موضوعًا مستقبليًا للنقاش، بل أصبح قوة مركزية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وأنماط الحوكمة، وموازين القوة الجيوسياسية. 

نحن اليوم أمام لحظة فاصلة؛ فإما أن يُدار الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للتنمية والعدالة وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وإما يُترك من دون ضوابط، فيتحول إلى عامل تعميق للتبعية الرقمية والفوارق الاجتماعية وتقويض للثقة المجتمعية.

لم يعد السؤال المطروح هو ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل من يملك القرار في عصره، ومن يضع القواعد التي تحكمه، ومن يتحمل تبعاته القانونية والسياسية والاقتصادية.

من التفاؤل التقني إلى اختبار القيمة الحقيقية


خلال السنوات الماضية، ساد خطاب متفائل يرى في الذكاء الاصطناعي حلًا شبه شامل لمشكلات الإنتاجية والكفاءة واتخاذ القرار. 

لكن هذه المرحلة تقترب من نهايتها، فبحلول عام 2026، دخل الذكاء الاصطناعي ما يمكن وصفه مرحلة “الإثبات”، حيث لم يعد الإعجاب التقنيّ كافيًا، وأصبح المعيار هو تحقيق قيمة مستدامة وقابلة للقياس على أرض الواقع.

تشير التحليلات الحديثة إلى أن عددًا كبيرًا من مشروعات الذكاء الاصطناعي لم ينجح في الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة التأثير الفعلي، ما دفع الحكومات والشركات إلى إعادة تقييم رهاناتها، وذلك بسبب التقييم المبالغ فيه لتلك المشروعات، وعند اختبارها سقطت أمام المعايير الأخلاقية أو الإنسانية أو التنظيمية.

 

ووفقًا للتقارير الحديثة، فإن السنوات المقبلة ستشهد فرزًا واضحًا بين مبادرات تحقق أثرًا اقتصاديًا وتنظيميًا حقيقيًا، وأخرى ستتراجع أو تُلغى لعدم جدواها.

الذكاء الاصطناعي كملف جيوسياسي


لم يعد تطوير الذكاء الاصطناعي شأنًا تقنيًا بحتًا، بل تحول إلى ساحة تنافس جيوسياسي مفتوح. وقد شهد العام 2025 قيام الولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، بتبني نماذج مختلفة، تعكس أولوياتها في القوة الاقتصادية، والأمن القومي، والنفوذ العالمي.

وقد رأينا اعتماد الولايات المتحدة على ديناميكية القطاع الخاص والشركات العملاقة، وسعيها إلى نشر تقنياتها عالميًا لترسيخ معاييرها ومحاولتها الهيمنة الكاملة. في المقابل، تتبنى الصين نموذجًا مركزيًا يربط الذكاء الاصطناعي بالبنية السيادية للدولة، مع استثمارات ضخمة في الاكتفاء الذاتي في الرقائق والحوسبة. وقد رأينا محاولات أميركية لوقف ذلك من خلال فرض رسوم على الشركات الصينية للحدّ من إنتاجيتها، وفرض الهيمنة الأميركية على القطاع الذكي

.
 أما أوروبا، فتحاول شقّ طريق ثالثة توازن بين الابتكار والتنظيم، واضعة حماية الحقوق والقيم في صميم استراتيجيتها، وإن كان ذلك على حساب سرعة الانتشار أحيانًا.

في هذا السياق، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة إنتاج، بل أصبح وسيلة نفوذ شبيهة بالطاقة أو التجارة الاستراتيجية.

 

من هيمنة البيانات إلى سيادة الحوسبة


لطالما وُصفت البيانات بأنها نفط العصر الرقمي، غير أن هذه المقولة لم تعد كافية لتفسير الواقع الجديد، فالتجربة العملية أثبتت أن البيانات وحدها لا تخلق قيمة دون قدرة حاسوبية متقدمة تستطيع معالجتها وتحويلها إلى معرفة وقرارات.

اليوم، بات التحكّم بالرقائق المتقدّمة، ومراكز البيانات، والبنية السحابية، والنماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي مسألة سيادية بامتياز، وهو ما سيكون محلّ النقاش خلال العام الحالي، فلم يعد هذا الملف من اختصاص إدارات تقنية المعلومات فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالأمن القومي، والاستقلال الاقتصادي، والقدرة على الصمود في أوقات الأزمات خاصة في ما يتعلق بالقطاعات الخطيرة مثل القطاع الصحي أو الأمني.

 

السيادة الرقمية: مفهوم يتجاوز الشعارات


السيادة الرقمية لا تعني الانعزال عن العالم أو رفض التعاون الدولي، بل تعني امتلاك القدرة على الاختيار والتحكم؛ وهي قدرة الدولة أو التكتل الإقليمي على إدارة بياناته وبنيته التحتية الرقمية وتقنياته الحرجة من دون اعتماد أحادي قد يتحول إلى أداة ضغط سياسي أو اقتصادي.

أهمية هذا المفهوم تتضاعف لأن البنية الرقمية أصبحت العمود الفقري للقطاعات الحيوية، من الطاقة والصحة إلى النقل والخدمات الحكومية والأمن؛ وبالتالي فإن أي خلل أو تحكم خارجي بهذه البنية قد يؤدي إلى شلل واسع النطاق، وهو ما قد يحول التقنيات الذكية إلى سلاح موجه داخلياً من دون أن نشعر.

 

مع صعود السُحب السيادية وإعادة رسم التحالفات


في مواجهة هذه التحديات، يتسارع الاتجاه نحو إنشاء سُحب سيادية للذكاء الاصطناعي. وقد شهدنا خلال الفترة الأخيرة عدم قبول دول عديدة الاعتماد في بنيتها الحرجة على خوادم خارج نطاق سيطرتها القانونية والسياسية حرصاً على الأمن القومي.

بالتوازي، نشهد ظهور تحالفات جديدة تجمع بين مختبرات ذكاء اصطناعي متقدمة وحكومات، تقوم على تبادل النفاذ إلى الأسواق مقابل بناء قدرات وطنية أو إقليمية. هذه التحالفات تعيد تعريف العلاقة التقليدية بين القطاعين العام والخاص، وقد تُفضي إلى إعادة صياغة مفهوم السيادة ذاته في العصر الرقمي.

 

التنظيم كرافعة استراتيجية لا كقيد


على عكس التصور السائد، لم يعد التنظيم بالضرورة عائقًا أمام الابتكار، فالتجارب الحديثة تشير إلى أن التنظيم الذكي والمتكيّف يُمكن أن يتحوّل إلى عامل تمكين، من خلال بناء الثقة، وجذب الاستثمار، وتوفير بيئة مستقرة للتجريب والاختبار المسؤول. ونضرب مثلاً على ذلك الورقة البيضاء الصادرة أخيراً من دولة الإمارات على هامش الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بشأن “تشكيل مستقبل الذكاء التنظيمي – الانتقال من القواعد الجامدة إلى منظومة تنظيمية ديناميكية يقودها الذكاء الاصطناعي”، حيث إن تلك الورقة البيضاء تقدم رؤية شاملة نحو تحويل التنظيم بمعناه الشامل من مجرد وثيقة تُقرأ إلى منظومة تُدار، وتُختبر، وتتعلم، وتنتج أفكاراً ورؤى تنفيذية قابلة للتطبيق، وتتوقع موضع الخلل وكيفية معالجته، قبل أن تظهر أيّ إشكاليّات تطبيقية.

فالتحدّي الحقيقي يتمثل في الانتقال من تنظيم جامد إلى أطر تنظيمية مرنة وقابلة للتحديث، ومن ردود الفعل المتأخرة إلى الاستباق، بما يسمح بحماية الحقوق من دون خنق الإبداع.

أين تقف الدول العربية من ذلك التحرك؟


على الرغم من الاستراتيجيات الوطنية والمبادرات الطموحة، لا تزال معظم الدول العربية تعتمد بدرجات متفاوتة على بنى تحتية ونماذج ذكاء اصطناعي أجنبية، وتفتقر إلى منظومات بحث وتطوير مستقلة ذات تأثير عالمي.

 

لكن هذا الواقع لا يعني غياب الخيارات؛ فالتعاون الإقليمي، وبناء منصّات مشتركة للحوسبة والبيانات، وتوحيد الجهود البحثية، واعتماد سياسات شراء عام ذكية، يمكن أن تشكّل مسارًا واقعيًا لتعزيز السيادة الرقمية تدريجيًا. ولن يتأتى ذلك بجهود منفردة، بل بتضافر الجهود المشتركة لتحمل كلفة التطوير ومخازن البيانات والابتكار.

 

الخلاصة: نافذة القيادة ليست مفتوحة إلى الأبد.
نحن أمام لحظة حسم حقيقية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون محركًا للنمو والتنمية، أو أداة لتعميق التبعية الرقمية، أو وسيلة لإعادة توزيع القوة عالميًا.

 

وبالتالي، فإن الدول والمؤسسات التي تتحرك اليوم، وتتعامل مع التنظيم والسيادة الرقمية كأدوات استراتيجية، ستكون شريكة في صياغة قواعد النظام الرقمي المقبل، بل في صياغة مستقبل الاقتصاد والسياسة بشكل كامل. أما من يتأخر، فسيجد نفسه مجرد متلقٍ لقرارات صاغها غيره.

لحظة الحسم بدأت، والسؤال لصناع القرار لم يعد إن كنا سنشارك… بل كيف ومتى وبأي رؤية؟

 

*المستشار القانوني والاجتماعي والخبير في القانون الدولي، والباحث في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى