
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
من ألميريا الأندلسية، حيث تتعانق الشواطئ مع جبالها الشاهقة، تأتي إلينا قصّة الحبّ هذه، “إيفان وهدوم”، المعروض في قسم ”بانوراما“ داخل مهرجان برلين السينمائي (12 – 22 شباط/فبراير) لتقلب الموازين. يان ديه لا روسا، مخرج متحوّل، أي أن هويته الجندرية تختلف عن الجنس الذي وُلِد فيه، يستلهم من تجربة شخصية تنعكس بوضوح على جديده السينمائي، وتحرك اهتمامه بشخصية إيفان (سيلفر شيكون) وقصّة انجذابه إلى هدوم (هرمينيا لو). فهناك أمور لا يستطيع الفنّان روايتها إلا إذا كانت جزءاً من واقعه وكيانه، تمسّه وتترسّخ في إحساسه، وما بالك حينما تمتد إلى مسألة الجندر، المحاطة دوماً بسوء فهم ومغالطات وأفكار مسبقة.
في هذا الصدد، يقول ديه لا روسا: “كان عليّ أن أتعلّم كيف أكتب القصص التي أريد أن أحكيها، وهذا يحتاج إلى وقت. لكن ربما ما أثّر على هذا الفيلم وعملية إنجازه أكثر من أي شيء آخر، هو أنني اضطررتُ أنا نفسي إلى الانتقال بين الجنسين. فقط بعد ذلك، استطعتُ أن أستمر في حياتي، وأستخلص استنتاجاتي الخاصة، وأكتسب خبرة حول معنى أن تكون متحولاً جنسياً، ومعنى الرغبة والحبّ كمتحوّل في المجتمع المعاصر”.
بناءً على هذا، يمكن القول إننا حيال مخرج يعرف موضوعه عن قرب، كما يعرف الأرض التي يصوّر عليها، ويمنحنا من خلال رؤيته تجربة صادقة، لا مجرد تمثيل سطحي لقصّة حبّ مكرورة. “إيفان وهدوم” خلاصة تجربة إنسانية تتداخل فيها الهوية والرغبة والمجتمع.
يتيح الفيلم لقاء غير اعتيادي بين كائنين، ينجذب أحدهما نحو الآخر يوما بعد يوم، في سلسلة من المَشاهد التي ترسم المد والجزر في هذه العلاقة، بعناية متناهية. إيفان شاب إسباني، يعيش مع عائلته التي تدهورت أحوالها بعد الأزمة الاقتصادية في العام 2008؛ عائلة لا يخلو تعامل أفرادها بعضهم مع بعض من دفء، لكنه يشعر تجاهها بالذنب. ذنب لا يعرف مصدره، كما لو أن سلطة العائلة الأبدية على الفرد تصنع إنساناً مذنباً لا يدرك السبب. شيء ما يتغيّر عندما يلتقي بهدوم، بيد ان هذا التغيير لا يمكن الكلمات وحدها أن تحتويه. من خلال هذه الفتاة، يبدأ إيفان في النظر إلى نفسه بعيون جديدة.
الثلاثي الذي خلف الفيلم في برلين.
هدوم من أصول مغربية، لا تتقيّد بتعاليم عائلتها كما يبدو، حرة، عنيدة، وصاحبة شخصية قوية. سمراء جميلة، تحتفظ بشهامة مظهرها، من دون الحاجة إلى التظاهر أو المبالغة. أول قبلة بينهما، وهما جالسان على الشاطئ، تحمل حميمية خاصة: الفيلم يضعنا في قلب هذه اللحظة، نلمس التردد والحساسية، فهي تريد أن تقبّله، لكن الظروف لم تنضج بعد.
الأحاسيس التصاعدية في الفيلم من أجمل ما فيه، وغالباً ما تُترجَم من خلال حركة يد، ابتسامة، نظرة، في استغناء كامل عن الكلام، لتصبح لغة جسدية وصامتة ترينا أعمق ما في مشاعر الشخصيتين. الفيلم يتكتّم على بعض التفاصيل ويصر على أخرى. هذا هو أسلوب المخرج في السرد، إذ يختار بعناية ما يكشف وما يخفيه، كأن كلّ مشهد له معنى معين في بناء الشخصية والعلاقة. نعلم أن كليهما يعملان في بيت زجاجي حيث تُزرَع البندورة والباذنجان ومحاصيل أخرى، ومن هناك تُصدَّر الخضروات إلى الأسواق. يسعى إيفان، بفضل علاقته بصاحب المشروع، إلى تولّي مسؤولية أكبر تسمح له باقتراض المال من المصرف لشراء منزل لعائلته، لكن هذا المشروع سيصطدم بحبّه الناشئ لهدوم، الذي يمثّل له لحظة تحرر من كلّ ما جعله يعيش في الظلّ والعار. وفي النهاية، يجد إيفان نفسه، لكن هذا التحرر لن يكون بلا ثمن.
الفيلم لا يقترب من الموضوع برومنطيقية ساذجة أو بتقنيات أدبية تقليدية. لا موسيقى تصويرية تخادع المَشاعر، ولا خيالات أمام الشمس، ولا وعود بحياة أبدية. كلّ مَن يظهر على الشاشة يعرف حدوده. هي الحياة اليومية بكلّ مشقّاتها وتحدّياتها، التي تصنع لحظة حبّ وانبعاث فريدة، تلتقطها الكاميرا بواقعية شاعرية، سواء من خلف صخرة، أو داخل سيارة، أو عبر شاشة تظهر لنا نمو المزروعات. والأهم أننا لا نشعر بأن الشخصيات على عجلة من أمرها، والديكور العام يسمح بذلك. إيقاع الفيلم متمهّل، يمنحهما الوقت الكافي، لأن هذا هو السبيل الوحيد كي يعرف كلّ منها نفسه ويكتشفها.
يعيد الفيلم تدوير مكوّنات قصّة الحبّ التقليدية، حيث تصطدم العاطفة بالمصالح، ولكن مع اختلاف: اللقاء نفسه بين شخصيتين لا تبدوان متوافقتين، القرية النائية التي تجري فيها الأحداث، المكان الذي يصبح مسرحاً لتقلّبات إيفان وهدوم… هذا كله يوفّر بيئة جافة لفيلم يحكي قصّة اختلاف جميلة ببساطة ودهشة.
“إيفان وهدوم” فيلم عن العائلة، الإرادة الشخصية، الخيار الحر، الطموح، التمرد، الرأسمالية، وحقوق العمال. نصّ يبدو متواضعاً من الخارج، لكنه قادر على لمّ شمل مسائل عديدة بطريقة عضوية، وأهم ما فيه هو قدرة المخرج على إدراج الحميمية وسط كلّ هذا. يقول: “من المهم أن نتذكّر أن الحميمية شكل من أشكال المقاومة، وأن الثورة على نطاق واسع دائماً ما تبدأ بثورات شخصية صغيرة. وهذا ما يتحدّث عنه الفيلم: كيف يمكن الحبّ أن يكون البداية والقوة الدافعة لثورة تبدأ على المستوى الشخصي”.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
