أخبار

الهامش الذي صار مدينة: محمود شقير يكتب وصيّته للقدس

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

حين يكتب محمود شقير “هامش أخير”، لا يبدو كأنه يضع نقطةً في آخر سطر، بل كأنه يزيح ستارةً خفيفة عن غرفة ظلّت مضاءة في داخله منذ الطفولة. هذا الجزء الثالث من سيرته، الصادر عن دار نوفل/هاشيت أنطوان، لا يأتي باعتباره تتمّةً زمنية فحسب، بل باعتباره خلاصة روحٍ خبرت المنافي والسجون والجوائز والخذلان، وعادت في النهاية إلى ما يشبه الصفاء. هو كتاب يكتب العمر لا بترتيب السنوات، بل بترتيب الأثر.

لا يقدّم شقير سيرةً تقليدية تسير من محطة إلى أخرى، بل يفتح للقارئ أبواباً صغيرة من الذاكرة، كل باب يحمل عنواناً قصيراً، كأنه ومضة أو شرفة تطلّ على زمنٍ مضى. اللغة هادئة، واضحة، خالية من الادعاء، لكن تحت هذا الهدوء تتخفّى كثافة تجربة طويلة. لا خطابة هنا، ولا بطولات مصطنعة؛ بل مراجعة صريحة للذات، يكتب فيها عن ضعفه كما يكتب عن قوته، عن خجله الذي جعله يتجنب المشاجرات، وعن إساءاتٍ تعرّض لها واختار أن يسكت عنها. يسأل نفسه بوضوح من لا يخشى الإجابة: هل كان صمتي عفواً أم ضعفاً؟ هل لو كنت أكثر شراسةً لتغيّر شيء؟ هكذا يتحوّل الاعتراف إلى فعل نقدي، لا للآخرين فقط، بل للنفس أولا.

 

 

 

غير أن كل الطرق في هذه السيرة، مهما ابتعدت، تنتهي إلى مدينة واحدة. في قلب النص، تقف القدس. ليست موضوعاً يُستدعى حين تقتضي الفكرة، بل أصل الحكاية وميزانها العاطفي. هي الطريق من جبل المكبر إلى البلدة القديمة، هي الحجر الدافئ عند المغيب، هي الأزقة التي تحفظ وقع الخطوات حتى بعد أن يغيب أصحابها. القدس عند شقير ليست مشهداً خارجياً، بل ذاكرة تمشي معه حيثما ذهب، حتى في الزنزانة.

تبدو المدينة في “هامش أخير” قريبةً إلى حد الوجع، وبعيدةً إلى حد الحنين. قريبة لأنها تسكن تفاصيل الطفولة، في حكايات الأب والأم، وفي المشي الأول في شوارعها، وفي التعلّق المبكر بها. وبعيدة لأنها محاطة بمحاولات الطمس والتهويد، ولأن الوصول إليها لم يعد دائما فعلا بسيطاً. في السجن، كانت القدس تكبر في داخله أكثر مما كانت تكبر في الخارج. مجرد تخيّل الجلوس في أحد مقاهيها أو المرور في سوقها كان يمنح العتمة ضوءاً خفيفاً. هكذا تتحول المدينة من جغرافيا إلى قدر، ومن مكانٍ يُزار إلى معنى يُستعاد.

ولا يخلو الكتاب من استعادةٍ لصورة القدس قبل النكبة، حين كانت مدينةً منفتحة على ثقافات متعددة، تستقبل الأدباء والفنانين، وتحتضن نخبةً ثقافية حيوية. ثم تأتي التحوّلات القاسية، فتغدو المدينة مسرحاً لفصول مأساة طويلة. ومع ذلك، لا يسقط شقير في رثاءٍ مجاني، بل يكتبها كمدينة تعلّمت أن تبقى، لا بالصراخ، بل بالإصرار على الحضور في اللغة.

ومن أجمل لحظات السيرة تلك المفارقة البسيطة التي يرويها عن ولادته: أسبوعٌ كامل عاشه بلا اسم. طفلٌ يبكي في الليل، وأمّه تهدهده من دون أن تناديه، لأن الاسم لم يُمنح بعد. في الخارج كانت الحرب العالمية تضجّ بأسماء القادة، بينما ينتظر هو عودة الأب ليحمل اسمه. حين عاد، سمّاه محمود. هذا التفصيل الصغير يتحوّل إلى تأمل في الهوية والقدر: كيف يبدأ الإنسان بلا اسم، ثم يصبح اسمه حاضراً في كتبٍ مترجمة، وفي ذاكرة قرّاء لا يعرفونه شخصياً لكنهم يعرفون أثره؟ كأن الاسم الذي تأخر أسبوعاً صار وعداً بمسيرةٍ كاملة، مسيرة كاتب لم يتوقف عن تحويل الهامش إلى متن.

ولا تكتمل صورة هذا “الهامش” من دون المدن التي عبرها. دمشق تحضر كمدينة البدايات، حيث اللقاءات الأولى مع كتابٍ سوريين، وحيث انفتحت أمامه أبواب الثقافة العربية الحديثة. بيروت تحضر بوصفها مدينة الحراك والانفتاح والمنفى القصير. أحبّها رغم جراحها، وعاش فيها بدايات الحرب الأهلية، ونشر فيها قصصه ومقالاته. حين يتذكّر دمارها في السنوات الأخيرة، لا يكتب بمرارة فقط، بل بإيمانٍ بأن المدينة التي احترقت لم تُلغَ من القلب. الحنين هنا ليس ضعفاً، بل وفاء.

وفي ملحق الكتاب، ترد معايدات وشهادات بمناسبة بلوغه الثمانين، كأن السيرة لا تكتفي بأن تروي صاحبها، بل تتيح للآخرين أن يعكسوا صورته. بذلك تتجاوز حدود الاعتراف الفردي لتصبح تأريخاً ثقافياً وسياسياً واجتماعياً لمرحلةٍ كاملة امتدت منذ أربعينيات القرن الماضي حتى اليوم. سيرة رجل، لكنها أيضاً سيرة جيلٍ عاش النكبة والمنفى والسجن والعودة، وواصل الكتابة رغم كل شيء.

قد يبدو عنوان “هامش أخير” كأنه وعدٌ بالختام، لكن القارئ يخرج بانطباع مختلف. هذا الهامش ليس سطراً صغيراً على أطراف الصفحة، بل مدينة كاملة تتسع للذاكرة والحنين والأسئلة. هو خلاصة تجربة كاتبٍ آمن بأن الكتابة ليست حرفةً فحسب، بل وسيلة لمواصلة الحياة، وللدفاع عن قيم الحق والخير والجمال. مدينةٌ تبتعد كل يوم في الجغرافيا، وتقترب كل يوم في اللغة.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى