
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
بغداد – محمد البغدادي
في ظل تصاعد المؤشرات الاقتصادية الضاغطة، يمر العراق بمرحلة مالية دقيقة أثارت قلق الشارع والوسطين الوظيفي والاقتصادي على حد سواء، خصوصاً مع تأخير صرف رواتب الموظفين في عدد من المؤسسات، وهو تطور غير مألوف في بلد يعتمد شطر واسع من مواطنيه على الدخل الوظيفي كمصدر أساسي للمعيشة. هذا التأخير لم يعد ينظر إليه كإجراء إداري عابر، بل بات يعكس اختلالات أعمق في إدارة السيولة وتوازن النفقات العامة، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها خلال المرحلة المقبلة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الوضع المالي الحالي تأثر بجملة عوامل متراكمة، بينها ارتفاع النفقات التشغيلية، واتساع كتلة الرواتب، وتراجع المرونة المالية في ظل التزامات داخلية وخارجية متزايدة، فضلاً عن الاعتماد شبه الكلي على الإيرادات النفطية وما يرافقها من تقلبات. هذه التحديات وضعت الحكومة العراقية أمام اختبار صعب، دفعها إلى التحرك عبر حزمة خطوات وقرارات تهدف إلى دعم النفقات الأساسية وضمان الاستمرارية، بالتوازي مع تبني إجراءات تقشفية شملت مختلف مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، برز دور وزارة المالية في إعادة ترتيب الأولويات، وضبط الصرف، ومراجعة آليات التمويل، بالتنسيق مع البنك المركزي العراقي للحفاظ على الاستقرار النقدي وتوفير السيولة اللازمة لتغطية الالتزامات العاجلة. غير أن هذه الإجراءات، على أهميتها، تثير مخاوف من انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً إذا ما استمرت الضغوط المالية أو توسعت رقعة التقشف.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تبدو مفصلية، ليس في ما يتعلق بتأمين رواتب الموظفين فحسب، بل في إعادة بناء الثقة بالإدارة المالية للدولة، ووضع معالجات هيكلية مستدامة تحول دون تكرار الأزمات، وتضمن توازناً حقيقياً بين متطلبات الاستقرار المالي وحقوق المواطنين، في وقت يراقب فيه الشارع العراقي بقلق بالغ مسار هذه الأزمة وتداعياتها المحتملة.
ويقول الخبير في الشأن المالي والاقتصادي حيدر الشيخ، لـ”النهار”، إن “العراق يعتمد بشكل مباشر على إيرادات صادرات النفط، إذ أنه يصدر شهرياً أكثر من 100 مليون برميل وإيراداته أكثر من 6 مليارات دولار على اعتبار ان سعر برميل النفط 55 دولاراً، والحكومة العراقية تحتاج شهرياً إلى 4،5 مليارات دولار لتأمين رواتب الموظفين، علماً أن هناك 4.5 ملايين موظف في العراق”.
وبيّن ا أن “إيرادات صادرات النفط تذهب من الدول المستوردة إلى حساب العراق في البنك الفيدرالي الأميركي، وبعدها ترسل الإيرادات العراقية على شكل وجبات من واشنطن الى بغداد، وهناك نقص في السيولة النقدية في المصارف الحكومية، وارتفاع الدين الداخلي في العراق إلى أكثر من 90 تريليون دينار”.
وأشار الى أن “كل هذه العوامل تؤثر على عملية صرف رواتب الموظفين وخصوصاً أننا مقبلون على شهر رمضان. في الأعوام السابقة كانت الرواتب تصرف قبل حلول رمضان والآن سيكون صرف الرواتب في أوقات متعددة ويتأخر 10 أيام وأكثر عن موعده المحدد”.
من جهته، حذّر عضو مجلس النواب العراقي أحمد الشرماني، في تصريح لـ”النهار”، من خطورة المرحلة المالية التي يمر بها العراق، فتأخير صرف رواتب الموظفين يعدّ مؤشراً مقلقاً لا يمكن التعامل معه كحالة عابرة أو إجراء إداري موقت، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بإدارة المال العام وتوازن الإيرادات مع النفقات”.
واعتبر أن “رواتب الموظفين تمثل خطاً أحمر، وتأخيرها ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويضع شريحة واسعة من المواطنين تحت ضغط معيشي كبير، وما يجري اليوم يتطلب مصارحة واضحة للرأي العام بحقيقة الوضع المالي، بعيداً من لغة التطمين غير المدعومة بإجراءات ملموسة”.
وأضاف ان “الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، إلى جانب تضخم النفقات التشغيلية واتساع كتلة الرواتب، خلق اختلالاً واضحاً في إدارة السيولة، كما أن غياب التخطيط المالي الطويل الأمد وعدم تنويع مصادر الدخل جعلا الدولة أكثر هشاشة أمام أي هزة مالية أو ظرف طارئ”.
وأكد أن “اللجوء إلى التقشف يجب أن يكون خياراً مدروساً وموقتاً، لا أن يتحول إلى عبء إضافي على الموظف والمواطن البسيط، كما من الضروري أن تبدأ إجراءات التقشف من الامتيازات غير الضرورية، والإهدار، والإنفاق غير المنتج، قبل المساس بحقوق الموظفين أو تأخير مستحقاتهم، كما على الحكومة العراقية تقديم خطة مالية واضحة ومعلنة، تتضمن جدولاً زمنياً لصرف الرواتب، ومعالجات حقيقية لأزمة السيولة، إضافة إلى إصلاحات هيكلية تضمن عدم تكرار هذه الأزمة مستقبلاً”.
وختم النائب العراقي أن “المرحلة المقبلة حساسة وتتطلب قرارات شجاعة ومسؤولة، فالحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي لا يقل أهمية عن أي ملف سياسي أو أمني، وأي تأخير أو معالجة ترقيعية قد يفتح الباب أمام تداعيات يصعب احتواؤها لاحقاً”.
بالمقابل، قال مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، لـ”النهار”، إن “رواتب الموظفين مؤمنة بالكامل، ولا يوجد أي تهديد أو مخاوف تتعلق بعدم الإيفاء بالاستحقاقات المالية، والتأخير الحاصل هو تأخير موقت ناتج من إجراءات فنية وإدارية بحتة مرتبطة بآليات الصرف والتنظيم المالي، وليس نتيجة أزمة سيولة أو خلل في الوضع الاقتصادي”.
وأوضح ان “الوضع المالي للدولة مستقر، وأن الموارد العامة تدار وفق خطط واضحة تراعي التوازن بين الإيرادات والنفقات، والحكومة تمتلك القدرة الكاملة على الاستمرار في تأمين الرواتب والالتزامات الأساسية من دون تأثر”.
وأضاف ان “الإجراءات التقشفية المعمول بها حالياً لا تمس حقوق الموظفين أو الشرائح ذات الدخل الثابت، وإنما تهدف إلى تقليل الإنفاق غير الضروري، وترشيد المصروفات الثانوية، ومعالجة أوجه الإهدار، وهي إجراءات طبيعية تلجأ إليها الحكومات في مختلف الدول لضمان الاستدامة المالية وتحسين كفاءة إدارة المال العام”.
وأكد أن “هذه الخطوات تأتي ضمن سياسة مالية مسؤولة تهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز الاستقرار، وضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية، والدوائر المعنية تعمل على مدار الساعة لاستكمال الإجراءات الفنية بأسرع وقت ممكن، بما يضمن صرف الرواتب فور اكتمالها، وبما يحفظ الثقة بين الدولة وموظفيها”.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
