أخبار

برلين 76 – ‘بيت الحسّ’: ليلى بوزيد تطرق الأبواب المغلقة

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

تعود ليليا (آية بوترعة) إلى سوسة لحضور جنازة خالها الذي رحل على نحو مفاجئ. في البيت العائلي، بين الجدّة والأم والخالة وبقية أفراد الأسرة، تنكشف لها حقيقة موجعة: موت خالها لم يكن معزولاً عن مثليته، تلك الهوية التي اضطر إلى كتمانها طوال حياته تحت وطأة الرفض والنبذ والتهميش. في بلد تنتشر فيه مثل هذه الحقائق همساً، بينما يراقب المجتمع بعيون يقظة، ويحاسب القانون، وتعاقب الدولة، لا تحتاج ليليا سوى إلى أيام قليلة لتفهم ما كان مستوراً. فهمٌ سيترك أثره العميق في حياتها وحياة مَن حولها، ولا سيما أنها هي أيضاً مثلية، تعيش علاقة عاطفية مع فتاة (ماريون باربو).

“بيت الحسّ” للتونسية ليلى بوزيد، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي (12 – 22 شباط/فبراير)، يكتسب أهمية خاصة لتونس، وللعالم العربي عموماً. إنه عمل يهزّ المسلّمات ويدعو إلى رفع الرؤوس من رمال الإنكار التي طال أمدها. فيلم عن القبول في مجتمع مورس فيه ما عُرف بـ”الفحص الشرجي” لإثبات المثلية. غير أن الفيلم لا يسقط في فخّ التلقين. فهو لا يتعامل مع المثلية (لدى الرجل أو المرأة) باعتبارها “ملفّاً” أو قضية مؤدلجة، بل ينسجها داخل حكاية عائلة ندخل إلى صميمها في لحظة انكسارها. صحيح أن الحدث يتفرّع من شأن قد يراه البعض “قضية” تختزل الفيلم، إلا أن براعة بوزيد في كتابة الشخصيات وبناء المواقف توسّع البؤرة، لتلامس طبقات متعدّدة من الحياة التونسية المعاصرة: علاقة الفرد بالجماعة، الخاص بالعام، الحميمي بالمؤسساتي، وما يُعاش سراً بما يُفرَض علناً.

تأخذ بوزيد وقتها في تقديم أفراد هذه العائلة، من دون مشهد فائض، فلا دقيقة زائدة في الفيلم. نتعرّف إلى الجدّة (سلمى بكّار)، بشخصيتها الآمرة التي تمزج القسوة بالحنان، وإلى الأختين (هيام عبّاس وفريال الشمري) اللتين تحاولان الحفاظ على هدنة هشّة بينهما، وإلى والد ليليا الذي استُبعِد بعد طلاقه. ثم يطلّ رجلٌ غامض، كان على صلة بالخال الراحل قبل أن تفرّقهما الظروف، فيضيف طبقة أخرى من التعقيد. من هذه الخيوط المتشابكة يتكوّن ميكروكوزم للمجتمع التونسي، بطبقاته ومواقفه المتباينة: المتعاطف والحذر، الرافض والمستاء، المتشدّد والمتسامح، ومَن يقف في المنطقة الرمادية بين هذا وذاك. لا أحد هنا مجرّد وظيفة درامية، بل كائن من لحم وذاكرة وتناقضات. تحمل ليلى بوزيد صورة بلادها بأمانة لا تجريح فيها ولا تمجيد. تنظر إليها بعين واقعية، لا تختبئ خلف إصبعها ولا تلوذ بالمجاز المريح. فهي تدرك أن وظيفة السينما أن تضع المجتمع أمام نفسه، بلا رتوش ولا أقنعة.

 

ليلى بوزيد في برلين.

 

هناك ما هو جميل ومفجع في هذا البورتريه الذي يرسمه الفيلم لرجل غائب، يُستعَاد حضوره عبر تشابك وجهات نظر نسائية، كلّ واحدة منها تضيف تفصيلاً صغيراً، جرحاً أو ومضة حنان. تتراكم الشهادات طبقة فوق طبقة، فيتكوّن وجهٌ من شذرات. أيّ ردّ اعتبار أبلغ من أن يرويك من عاشرك؟ أن يُعَاد تشكيلك في عيونهم، من دون أن تطلّ بنفسك لتدافع أو تبرّر؟ إنه منطق الغائب الذي يزداد حضوراً كلّما توارى، وأكثر كثافةً وهو خارج الكادر.
من هذا السرد الكورالي الدافئ تنبثق جماليات الفيلم، حيث الحميمية خيار أخلاقي وجمالي في آن. في المقابل، فإن الذهاب والإياب المستمرين بين الخاص والعام، بين المأساة العائلية وسياقها الاجتماعي والقانوني، يمنحان العمل بُعداً واقعياً. فلا تبقى الحكاية شأناً منزلياً مغلقاً، اذ تتقاطع السيرة الشخصية مع أسئلة المجتمع بأسره.

لكن، هل تغدو حكاية الخال ومعاناته انعكاساً لما تعيشه ليليا؟ إلى حد بعيد، نعم. فبالنسبة إلى الشابة المقيمة في فرنسا، التي لم تختبر القسوة ذاتها وإن عرفت أشكالاً أخرى من الاغتراب، تصبح سيرة خالها بمثابة إنذار مبكر. هنا تكمن إحدى أجمل طبقات الفيلم: كيف يتوارث الخوف، وكيف ينتقل الكتمان من جيل إلى آخر. في بلاد تُعامَل فيها الحياة الحميمية كما لو كانت شأناً عاماً، لا يتورّع القانون عن اقتحامه، فتتحوّل الرغبة إلى ملفّ أمني.

 

آية بوترعة خلال العرض الأول للفيلم.

 

البيت، بدوره، ليس مجرّد فضاء للأحداث، بل شخصية قائمة في ذاتها. هو خزان الأسرار، وأرشيف الصور، ومستودع الذكريات واللقاءات. تعود إليه ليليا كما لو كانت تفتح صندوق باندورا، تستخرج منه ما طُمِر طويلاً. في دورة تعلي شأن العائلة وتعيدنا إلى الداخل المنزلي، ينهض منزل الأسرة في أحد أحياء سوسة القديمة (وهو منزل جدة بوزيد) ملاذاً آمناً، على خلاف البيت المختنق في “تشذيب شجيرات الورد” لكريم عينوز (الصفحة الأخيرة من “النهار” أمس).

اللقاءات العائلية، العتب، نظرات اللوم، كلّها ترتدي طابعاً متوسطياً أليفاً: احتكاك دائم، لكنه يقف عند حافة الاشتعال من دون أن ينزلق إلى القطيعة. داخل هذا البيت تتشابك الأزمنة، ويتجاور عالمان متوتّران: عالمٌ مثقل بإرث الماضي ومفاهيمه، وآخر تمثّله ابنة اليوم. عالمان يتخاصمان كثيراً، يتحاوران قليلاً، لكنهما يظلان محكومين برابط لا ينفصم، كأن البيت ذاته يصرّ على جمعهما تحت سقف واحد، مهما تباعدت المسافات بين رؤيتيهما للحياة.

الموضوع الذي تتناوله بوزيد نابع من صميم المجتمع التونسي والعربي، لا أثر فيه لافتعال “وُوكي” طارئ أو خطاب مُقحَم من خارج السياق. على العكس، يشفّ العمل عن لمسات شخصية حميمة (من بينها المنزل الحقيقي للجدّة وأثاثه) في ما يشبه اعترافاً ضمنياً بقدرة السينما على تحويل الذاتي إلى مادة جمالية عامة. هناك براعة معينة في توظيف الخاص من دون الوقوع في أسره، وجعل التفاصيل الحياتية جسراً إلى أسئلة أوسع.

 

هيام عبّاس تشكر جمهور ”البرليناله“.

 

نحن إذاً حيال موضوع متجذّر في تربة الشرق الأوسط، لكنه، بقليل من الاجتهاد، يمكن القول انه يمسّ سكّان الأرض جميعاً. لأنه ينبع من حاجة محض إنسانية: أن يعبّر المرء عن ماهيته وأعماقه بلا خوف، خارج سطوة الردع الديني والعائلي والقانوني. ومع ذلك، لا تقع بوزيد في فخّ المثاليات الساذجة. لا تكذب على نفسها، ولا تمنح شخصياتها خلاصاً سهلاً يصعب تصديقه. تدرك حدود بلدها كما تدرك حدود الفنّ، لذلك تكتفي بتشريح النفاق الاجتماعي ورعايته حتى اللحظة الأخيرة، لا بهدف تغييره على الشاشة، وإنما لعرضه كما هو، كجزء من مهمّة السينما في وضع الإصبع على الجرح.

المشهد الختامي شديد الجمال، يندرج ضمن هذه الاستراتيجيا نفسها: نحن، كما يوحي الفيلم، لسنا مستعدّين لسماع الحقيقة كاملة، بل نصفها فقط. ومع ذلك، يكفي أن يُمنَح أولئك المتحابّون والمتحابّات صورةً وصوتاً، وأن يُنتشلوا من غياهب الصمت والنسيان. ربما لا يغيّر ذلك العالم دفعة واحدة، لكنه، في اللحظة الراهنة، فعل كاف في ذاته.

 

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى