
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
الشخصية المحورية في “روز” لماركوس شلاينزر (المشارك في مسابقة مهرجان برلين السينمائي) جندي غامض يدّعي أنه قاتل دفاعاً عن ألمانيا، يحمل ندبة تشوّه وجهه كأنها ختم ماضٍ دموي، ويقدّم وثيقة تثبت أحقيته في مزرعة مهجورة. ينجح في كسب ثقة أهل القرية بفضل صلابته الجسدية وانضباطه، فيندمج تدريجاً في نسيجهم الاجتماعي. غير ان “سرّه” سرعان ما ينكشف، ويتبيّن أنه امرأة تقمّصت هيئة رجل لتنتزع اعترافاً وحقّاً لم يكن لامرأة أن تحظى بهما في مجتمع كهذا.
من خلال هذه الحبكة التي تجري أحداثه في المجتمع البروتستانتي المتشدّد، لا يكتفي الفيلم باستعادة صفحة من التاريخ الأوروبي، وأنما يحوّل الماضي إلى مرآةٍ للحاضر. فمعاملة “المختلف” في ذلك الزمن، ومحاكمته أخلاقياً واجتماعياً، تبدو مألوفة. العودة إلى القرن السابع عشر استعارة يتردّد عبرها صدى أيامنا هذه، حيث تتصاعد موجات الانغلاق ورفض الآخر.
ساندرا هولر في دور الجندي.
يحملنا الفيلم إلى زمن لم تكن فيه “الميزوجينية” قد صيغت كمصطلح بعد، بيد انها كانت راسخة في البنية الذهنية والاجتماعية. زمنٌ كان على المرأة فيه أن ترتدي قناع الرجل كي تُسمَع، ولا بد من أن تخفي حقيقتها كي يُعترَف بقدرتها. وهنا تحديداً يلتقي الفيلمان، ”روز“ و“بيت الحسّ“ لليلى بوزيد، على اختلاف سياقيهما: في مساءلة السلطة التي يفرضها المجتمع على الجسد، وفي كشف الثمن الباهظ الذي يدفعه كلّ مَن يجرؤ على العيش خارج القالب المرسوم له.
مصوَّراً بالأبيض والأسود (خيار جمالي غير مقنع درامياً)، وبأسلوب ينهل من تقاليد السينما الألمانية الباردة والمتأنّية، ينسج الفيلم إيقاعاً صارماً يكاد يختبر صبر المتفرّج. في قلب هذا العالم الشاحب، تقدّم الممثّلة الألمانية الكبيرة ساندرا هولر أداءً لشخصية ملتبسة ومعقّدة، يتكئ أكثر على الارتعاشات الداخلية منه على الانفعالات الظاهرة. إنها شخصية تحاول الإفلات من قبضة مجتمع بطريركي خانق عبر انتحال هوية أخرى، تبنيها كدرعٍ واقية وسدٍّ منيع. غير أن هذا القناع، مهما بدا محكماً، سيسقط أمام شراسة الجماعة. وغنيّ عن القول إن ظهور الحقيقة لن يمرّ بلا ثمن.
هولر في برلين.
رغم وضوح النيّات وراهنية الاستعارة، يعاني الفيلم من رتابة ملحوظة. فهو، على امتداد ساعة ونصف الساعة (يبدو أطول ممّا هو عليه فعلياً)، مثقل بالتواءات سردية واستطرادات كان يمكن اختزالها من دون الإخلال بجوهر الحكاية. بلوغ الخاتمة سيتطلّب العبور من خلال مسار وعر من البطء والتكرار، لتأتي النهاية، على قوّتها الحدثية، أقلّ تأثيراً ممّا توحي به تمهيداتها.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
