أخبار

التحالف الصيني-الإفريقي.. بديل اقتصادي أم تبعية جديدة؟

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

بينما تفرض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية على السلع الجنوب إفريقية، وتتهم بريتوريا بـ”السياسة المعادية لأميركا”، تمدّ بكين يدها لأكبر اقتصاد في القارة السمراء. 
ففي السادس من فبراير /شباط الجاري، شهدت القارة الإفريقية اتفاقاً رآه البعض شهادة ميلاد لنظام اقتصادي عالمي جديد، حيث وقّع وزير التجارة والصناعة الجنوب إفريقي باركس تاو اتفاقية إطارية خلال زيارته لبكين.

ورغم أن خبراء الاقتصاد يرون خطوة بريتوريا محسوبة بدقة واستراتيجية، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا إنقاذ حقيقي، أم فصل جديد من الاستعمار الاقتصادي وهذه المرة بوجه آسيوي؟

واشنطن في الخلفية تنويع إستراتيجي
على مدى عقدين من الزمن، رسّخت الصين مكانتها كشريك اقتصادي رئيسي للقارة الأفريقية. استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وقروض هائلة، وحضور متزايد للشركات الصينية.
ولا يمكن فصل توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الأخيرة عن السياق الجيوسياسي الذي جرى فيه، فمنذ صيف عام 2025، توترت العلاقات التجارية بين بريتوريا وواشنطن بشكل ملحوظ، عقب فرض الولايات المتحدة تعريفات جمركية تصل إلى 30% على العديد من المنتجات الجنوب إفريقية. 

هذه الإجراءات أثرت على قطاعات رئيسية من الاقتصاد، ما ساهم في تسريع استراتيجية تنويع التجارة في جنوب إفريقيا، ودفع البلاد إلى إعادة التوازن في شراكاتها الخارجية.
في المقابل، تقدم الصين نفسها كمنقذ اقتصادي سخي، قادر على استيعاب جزء من صادرات جنوب إفريقيا، فضلاً عن توفيرها فرصاً استثمارية في قطاعات صناعية تُعتبر ذات أولوية لدى بريتوريا. 
لكن هذه الصفقة لم تحدث في فراغ، فالصين بالفعل أكبر شريك تجاري لجنوب إفريقيا في الواردات والصادرات، وفقًا لإحصاءات الجمارك الصينية، بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 53.7 مليار دولار أمريكي، مع فائض تجاري لصالح الأخيرة يقارب 8 مليارات، كما أن النفوذ الاقتصادي الصيني عبر القارة يواصل النمو.

استراتيجية توازن متعمدة بين الصين وأوروبا
مع ذلك، فإن تعزيز العلاقات مع بكين لا يعني انفصال جنوب إفريقيا عن أوروبا، بل على العكس. فبحسب منظمة التجارة العالمية، بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 45.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ما يجعل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الرئيسي لجنوب إفريقيا. 
وفي الأشهر الأخيرة، اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً استراتيجياً لاغتنام الفرص التي أتاحتها التوترات مع الولايات المتحدة، بل وأعلن عن خطة استثمارية بقيمة 11.5 مليار يورو في أكتوبر 2025.

شراكة غير متكافئة.. من يستفيد حقاً؟
المشكلة في طبيعة العلاقة بين الصين ودول القارة الإفريقية، فالأخيرة تصدّر المواد الخام، وتستورد السلع المصنعة.، فعلى سبيل المثال ترسل جنوب إفريقيا الذهب والبلاتين وخام الحديد، وتستقبل السيارات الصينية والإلكترونيات. 
هذا هو نفس النمط الاستعماري القديم، لكن مع شريك مختلف، كما أن هيمنة الصين في التكرير والتصنيع تشكل تحديات كبيرة للاقتصادات الإفريقية التي تسعى لدخول الصناعات عالية التقنية.

فخ الديون.. حقيقة أم أسطورة غربية؟
إضافة إلى ما سبق توجد تساؤلات عدة حول أهداف بكين داخل القارة العجوز، خاصة أن من بين أكثر 20 دولة مديونية للصين، 11 دولة منها في إفريقيا. 
فالعلاقات الصينية-الإفريقية لا يمكن فصلها عن قضية هامة يحذر منها الغرب، يطلق عليها “دبلوماسية فخ الديون”، وهي اتهامات تنفيها بكين وتصفها بأنها دعاية لتشويه سمعتها.
فهل يعني هذا أن الصين تستنزف إفريقيا؟ الإجابة معقدة، بحسب دراسة عام 2022، الدول الإفريقية تدين بأكثر للدائنين الغربيين (من القطاع الخاص والمؤسسات المالية متعددة الأطراف) مقارنة بالصين.

بين المطرقة والسندان
الاتفاق الصيني-الجنوب إفريقي الأخير يعكس معضلة القارة السمراء الحالية، عندما يغلق الغرب أبوابه، تفتح الصين نوافذها، لكن ما وراء تلك النوافذ ليس بالضرورة حرية اقتصادية حقيقية. 
ولحين بناء قدرات إنتاجية محلية تجعلها شريكا ندا وليس مستهلكا، ستظل إفريقيا في موقف صعب مجبرة على اختيار بين نوعين من التبعية: الأولى غربية، تتطلب منها الانصياع التام لساستها، والثانية صينية، تتسم بالبراغماتية والاستثمارات الضخمة، أو بعبارة أخرى، أمام نوعين من الاستعمار؛ أحدهما يحمل علم النجوم والخطوط، والآخر يرفع النجوم الحمراء الخمس.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى