
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
باسكال جرّوج
نحن لا نصل إلى عيد الفصح فجأة، بل تسبقه فترة صيام تحضيرية. كذلك أيضًا نحن لا ندخل إلى الصوم فجأة. الكنيسة بحكمة ترتيبها لا تضعنا مباشرة في عملية نسك الصوم، بل تجعلنا في البدء ندرك أهميته ولماذا علينا به، لذلك تعطينا فترة تحضيرية تسمى “التريودي”.
ليست التريودي مجرد مقدمة زمنية شكلية، بل هي بذاتها فترة إدراك ومعرفة. حين نستعد للقاء مهم أو عرس أو أي مناسبة نعتبرها مهمة، نبدأ أولاً بفعل التهيئة: نغتسل، نرتب أنفسنا، نصفف شعرنا، نزيل الشوائب ونصلح مظهرنا بكليته. نغتسل لأننا ندرك أننا بحاجة إلى تنظيف. فلو لم أكن واعيًا بأنني متسخ لما اغتسلت. ومن المهم أيضًا أنه لولا أهمية اللقاء الآتي بالنسبة إليّ لما انتبهت أنني متسخ أصلاً.
وهنا يكمن جوهر التريودي: إنها الفترة التي أدخل فيها أعماق ذاتي وأقول مع العشار: “ارحمني يا رب أنا الخاطئ”. قبل أن أطلب الغفران يجب أن أدرك أنني خاطئ. قبل أن أطلب التوبة عليّ أن أعرف نفسي على حقيقتها. إنها لحظة صراحة مع الذات، فإن لم أكن صادقًا مع نفسي أولاً، كيف أنقل صدق مشاعري؟ إنها لحظة اعتراف داخلي: أنا بحاجة إلى غسل.
تبدأ حياتنا المسيحية بفعل اعتماد. المعمودية كانت غسلنا الأول لدخولنا في حياة جديدة، حياة يجب أن تبقى جديدة بتجددنا في كل حين. وكما يقول الرسول: “أنتم الذين بالمسيح اعتمدتم، المسيح قد لبستم”. فالمعمودية ليست فقط غسلًا بالماء والتطهير الآني، بل هي لبس المسيح بشكل دائم، أي الدخول في حياته والتشبه به.
لكن الإنسان يضعف أحيانًا ويخطئ، فيلطخ صورة المسيح ومثاله داخله، فيحتاج إلى غسل جديد، ليس بماء هذه المرة بل بالدموع. عندما نقول: “افتح لي أبواب التوبة”، ونبدأ نشعر بانسحاق داخلي حقيقي أمام الخالق الحبيب، حينها تنزل الدموع سحراً. هنا يبدأ الغسل الجديد، لولادة جديدة من فوق. دموع التوبة هذه، كما أسماها آباؤنا، هي معمودية ثانية. هي استحمام داخلي يغسل الشوائب التي تراكمت في النفس.
كما أنني قبل لقاء مهم أنظر في المرآة لأرى ما يحتاج إلى ترتيب، كذلك في التريودي أنظر إلى داخلي لأرى الزوائد الشائبة على مقياس المسيح المخلص. أسأل نفسي: ما هي الخطايا التي أكررها؟ ما هي العادات التي تشوه صورتي؟ ما هي الشوائب التي تمنعني من لبس المسيح؟
ربما هناك زائد في حياتي يجب أن يُقص كما نقص الشعر لتصفيفه. ربما هناك كلمات، علاقات، أفكار، تعلقات، تصرفات لا تليق يجب أن تُزال قبل أن أدخل إلى الصوم. فالتريودي لا يقول لي: “صم الآن”، بل يقول: “افهم نفسك أولاً، وأدرك أنك بحاجة للصوم لتتقوى وتلقى المسيح الموعود”.
فإن الصوم نفسه فترة تحضيرية لشيء أعظم: للصليب، فعل الحب العظيم؛ للقيامة، انتصار الحب على الموت؛ وللقاء العريس الختن باستعداد، كما نقول: “ها هوذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظًاً”.
التريودي إذن هو الفترة التحضيرية للفترة التحضيرية، لكن الأهم أنه فترة إدراك، فترة معرفة الذات، فترة مواجهة النفس بالصدق واقتناعها أنها بحاجة إلى التهذيب كبطرس.
لا أغتسل ما لم أدرك أنني بحاجة إلى استحمام، ولا أتوب ما لم أعرف أنني خاطئ، ولا ألبس المسيح ما لم أخلع الشوائب أولاً.
التريودي ليس مجرد زمن في التقويم الكنسي، بل دعوة عميقة لرؤية أعماق النفس كما هي، فأسمح لدموعي أن تغسلني، ليطهرني المسيح، كي أدخل إلى الصوم لا كواجب، بل كحركة حب نحو العريس.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.