
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
مع اقتراب موعد انتخابات أيار 2026، تتركز الأنظار على الساحة المسيحية التي تشهد تحوّلاً مفصليًّا، يبدو معه سمير جعجع القوّةَ السياسيةَ الأكثرَ حظوةً وقدرةً على توجيه دفةِ المكوّن. هذا الموقعُ المتقدّمُ ليس محضَ صدفةٍ، بل هو ثمرةُ تراكمٍ لقوّةٍ تنظيميةٍ مميّزةٍ وسرديةٍ سياسيةٍ ثابتةٍ، تُختبَرُ اليومَ في لحظةٍ تاريخيةٍ يشتدُّ فيها احتياجُ الناخبِ إلى قيادةٍ واضحةِ المعالمِ في خضمِّ أزمةٍ شاملةٍ تطالُ الدولةَ والمجتمع.
يتموضع جعجع في هذه المعركةِ الانتخابيةِ من موقعٍ فريدٍ، فهو يجمعُ بين حزبٍ تمكّنَ على مدى السنواتِ من بناءِ بنيةٍ تحتيةٍ انتخابيةٍ صلبةٍ، تُترجمُ أفكارَهُ إلى وجودٍ ميدانيٍّ فاعلٍ في المناطقِ الحاسمةِ، وبين رصيدٍ شخصيٍّ قوامُهُ سجلٌّ نضاليٌّ طويلٌ لم يتلوّثْ بالمشاركةِ في إداراتِ الفسادِ بالشكلِ ذاته. هذا المزيجُ بين التنظيمِ المتينِ والشرعيةِ التاريخيةِ يمنحُهُ أرضيةً صلبةً للتحرّك، في وقتٍ يبدو فيه العديدُ من خصومِه التقليديين إمّا عالقينَ في تحالفاتٍ متناقضةٍ أضرّتْ بمصداقيتهم، أو منكفئينَ على نفوذٍ محلّيٍّ محدودٍ. كما يمكنُ ملاحظةُ أنّ جعجع نجحَ في ترجمةِ هذه القوّةِ التنظيميةِ إلى نتائجَ ملموسةٍ في الاستحقاقاتِ السابقةِ، وأثبتَ قدرةً عاليةً على التعبئةِ الميدانيةِ، فيما يبرزُ، مقارنةً بخصومٍ يعانون ازدواجيةَ التحالفات، خيارًا ثابتًا ومنظّمًا يملكُ أدواتِ التحركِ داخلَ المكوّنِ المسيحيّ.
ولا يمكنُ فصلُ هذا الموقعِ المتقدّمِ الذي يشغلهُ سمير جعجع اليومَ عن تأثيرِه المتراكمِ على الساحةِ المسيحيةِ خلالَ السنواتِ الماضيةِ. فقد نجحَ، رغمَ التحوّلاتِ الكبرى والانقساماتِ الحادّةِ، في إعادةِ تثبيتِ حضورٍ سياسيٍّ منظّمٍ داخلَ الشارعِ المسيحيّ، محافظًا على تماسكِ حزبِه وقدرتِه على التعبئةِ في وقتٍ تآكلتْ فيه قوى أخرى أو تراجعتْ أدوارُها. كما شكّلَ حضورُه عاملَ توازنٍ في معادلةِ التمثيلِ المسيحيّ، سواءٌ من خلالِ مواقفِه السياديةِ أو عبرَ محاولاتِه المتكرّرةِ لنسجِ تفاهماتٍ سياسيةٍ داخليةٍ، وإن بقيتْ هذه المحاولاتُ محكومةً بتعقيداتِ الواقعِ اللبنانيّ وحدودِه.
تعملُ هذه الآليةُ التنظيميةُ بحرفيةٍ عاليةٍ، كما ظهرَ في الاستحقاقاتِ المحليةِ الأخيرةِ، فهي قادرةٌ على التكيّفِ مع ديناميكياتِ كلِّ منطقةٍ، فتارةً تتحرّكُ بخطابٍ واضحٍ يجمعُ المكوّنَ المسيحيَّ حولَ قضايا هويّتِه، وتارةً أخرى تبرعُ في نسجِ تحالفاتٍ تكتيكيةٍ عمليةٍ مع عائلاتٍ وزعاماتٍ محلّيةٍ لتحقيقِ انتصاراتٍ انتخابيةٍ، كما جرى في أكثرَ من منطقةٍ. هذه المرونةُ، التي تجمعُ بين المبدأِ والبراغماتيةِ، تُظهرُ فهمًا عميقًا لتعقيداتِ التركيبةِ المسيحيةِ، وتسعى لقيادتِها من خلالِ إدارةِ هذه التعقيداتِ لا بإلغائِها.
الأهمُّ في خطابِ جعجع الحاليّ هو انتقالُهُ من موقعِ ردِّ الفعلِ إلى موقعِ صاحبِ المبادرةِ، حيث يطرحُ بثقةٍ شروطَ المرحلةِ القادمةِ ويُعرّفُها بأنّها مرحلةُ البناءِ، مدّعيًا أنّ الظروفَ مهيّأةٌ لتحقيقِ إنجازٍ على صعيدِ فكرةِ الدولةِ.
لكنّ القوّةَ الانتخابيةَ وحدَها، مهما كانتْ ضخمةً، تواجهُ سؤالاً وجوديًّا في لبنانَ اليومَ. فالناخبُ، الذي يعيشُ تحتَ وطأةِ انهيارٍ معيشيٍّ غيرِ مسبوقٍ، لم يعدْ يبحثُ عن مجرّدِ خطابٍ وطنيٍّ أو شعاراتٍ تدغدغُ المشاعرَ. لقد أصبحَ التحدّي المباشرُ هو تقديمُ إجاباتٍ عمليةٍ عن كيفيةِ ترجمةِ النجاحِ في صناديقِ الاقتراعِ إلى تحسينٍ ملموسٍ في الحياةِ اليوميةِ: في استقرارِ سعرِ صرفِ الليرةِ، وفي ساعاتِ التيارِ الكهربائيّ، وفي توفيرِ الأدويةِ، وفي إبطاءِ نزيفِ الهجرةِ. فالناخبُ، الذي يواجهُ شحًّا في الوقودِ والمستلزماتِ الطبيةِ، يبحثُ عن حلولٍ واقعيةٍ أكثرَ من أيِّ خطابٍ سياسيّ.
هنا تكمنُ المعضلةُ الكبرى لجعجع وكلِّ من يطمحُ لقيادةِ المرحلةِ. فالسلطةُ الحقيقيةُ في لبنانَ ما تزالُ مشتّتةً بين مراكزِ قوىً عديدةٍ، وغالبًا ما تتعثّرُ أيُّ إرادةٍ إصلاحيةٍ عند عتباتِ هذه المراكزِ. وحتى لو حقّقَ تفوّقًا انتخابيًّا ساحقًا، فإنّ تحويلَ هذا التفوّقِ إلى سياساتٍ فعّالةٍ ضمنَ مؤسساتِ دولةٍ ضعيفةٍ ومحاصصةٍ مقيّدةٍ يشكّلُ تحدّيًا هائلاً. إنّ خطرَ تحوّلِ الانتصارِ الانتخابيّ إلى حصارٍ سياسيٍّ في أروقةِ السلطةِ الفعليةِ هو احتمالٌ حقيقيّ.
إضافةً إلى ذلك، فإنّ السعيَ لاحتكارِ التمثيلِ داخلَ المكوّنِ المسيحيّ قد يحملُ ردَّ فعلٍ عكسيًّا. فالهجومُ المباشرُ على أيِّ صوتٍ مستقلٍّ أو معارضٍ، ووصفُ التصويتِ لهم بأنّه «غيرُ مفيدٍ»، قد يدفعُ قطاعاتٍ من الناخبينَ إلى التململِ أو البحثِ عن بدائلَ تعبّرُ عن رفضِها للثنائياتِ الحادّةِ. كما أنّ هذا النهجَ قد يزيدُ من استقطابِ الساحةِ الداخليةِ، ما يصعّبُ لاحقًا مهمةَ تشكيلِ كتلةٍ مسيحيةٍ متماسكةٍ قادرةٍ على المناورةِ والفعلِ في المشهدِ الوطنيّ الأوسعِ. فالقيادةُ الحقيقيةُ تثبتُ بمقدارِ ما تجمعُ، لا بما تفرّقُ، وهي تظهرُ في قدرتِها على جمعِ الطاقاتِ وتوحيدِ الرؤى، لا في إقصاءِ أيِّ صوتٍ مستقلّ.
في المحصّلةِ، تضعُ انتخاباتُ أيارَ 2026 سميرَ جعجع أمامَ اختبارينِ مختلفينِ في طبيعتهما. الأوّلُ انتخابيٌّ، وهو اختبارُ القوّةِ التنظيميةِ والقدرةِ على تعبئةِ القواعدِ وإقناعِ الناخبِ بأنّ حزبَهُ هو الخيارُ الأفضلُ. وكلُّ المؤشراتِ تقولُ إنّهُ في موقعٍ قويٍّ لاجتيازِ هذا الاختبارِ. أمّا الاختبارُ الثاني، والأعمقُ، فهو اختبارُ القيادةِ السياسيةِ والفعليةِ بعدَ الانتخاباتِ، أي اختبارُ القدرةِ على تحويلِ الأصواتِ إلى تأثيرٍ، والخطابِ إلى إنجازٍ، والموقعِ المتقدّمِ إلى رافعةٍ للتغييرِ الحقيقيّ في حياةِ الناسِ ومستقبلِ الدولةِ. هذا هو الاختبارُ الذي سيكتبُ التاريخُ حكمَهُ، وهو التحدّي الذي سيواجهُ جعجع حين تهدأُ ضجّةُ الحملاتِ وتنكشفُ أرضُ الواقعِ بكلِّ قسوتِها وتعقيدِها. فالنجاحُ في الأوّلِ لا يضمنُ النجاحَ في الثاني، لكنّ الفشلَ في الثاني هو الذي يحوّلُ أيَّ انتصارٍ انتخابيٍّ إلى مجرّدِ ذكرى في سجلاتِ الصراعِ الدائمِ على السلطةِ في لبنانَ. وكلُّ صوتٍ سيكتبُ جزءًا من مستقبلِ المكوّنِ المسيحيّ ومستقبلِ لبنانَ، حيثُ تُختبَرُ القيادةُ عندَ تقاطعِ الرؤيةِ مع الواقعِ.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
