
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
الاب ايلي قنبر
1. مراجعة حياة
الإنسان الناجح في حياته هو الذي ينظر فيها لحظةً بلحظة. يُراجع أفكاره وما يقوله وما يحدث معه،كما العلاقات التي ينسج والأفعال التي يقوم بها، فينتقل من مرحلة إلى أُخرى متقدِّمة.
بحسب عِلم النفس، يُطلَب منه أن يكون واعيًا، مُقيِّمًا لأدائه. وأن يُحاسب نفسه بطريقةٍ بنّاءة. أي أن يراجع مواقفه بموضوعيّة ويحلِّل أسباب أخطائه ومآلاتها ليتعلّم منها، على ألَّا يقسو على نفسه وألَّا يجلد ذاته، فيكتئب ويجترّ سقطاته. مراجعة الحياة تُعزِّز ثقته بذاته وتُصيِّره قادرًا على مواجهة التحدِّيّات.
2. قف: حاجز دينونة!
في العديد من الأديان هناك كلام عن “الحساب” في نهاية العالم، وكأنّ الحياة الراهنة ستتوقّف في لحظة ما، وسيُجمَع البشر أمام “الديّان العادل” لينال كلٌّ جزاءه.
ويتكلّم بعض العلماء عن نهاية العالم جرّاء التغيُّر المُناخيّ الخطير وما يستتبعه من كوارث طبيعيّة. وآخَرون يزعمون أنّهم تمكّنوا من حساب موعد نهاية العالم ربطًا بإشعاع ” ستيࢤ هوكينع” (عالم بريطانيّ) حيث تُصدِر الثقوب السوداء إشعاعًا أثناء “تبخُّرها” تدريجيًّا إلى العدم. والحديث عن حرب نوَويّة[ كان هناك إتّفاقيّة “نيو ستارت” ترعى اللّجوء إلى الأسلحة النوويّة. وقد انتهت صلاحيّتها في 5 شباط 2026 بعد تجديدها لمرّتَين. ويراوغ الأميركيّ بصدد اعتماد أخرى يريدها “محسَّنة ومحدَّثة وطويلة الأمد”. راجع: ريم هاني، نهاية “نيو ستارت” :العالم بلا قيود على الأسلحة النوويّة، الأخبار، السبت 7 شباط 2026.] قد تُعرِّض الكوكب إلى الفناء لا يفهمه سوى حفنة من المختصّين بالأسلحة المعقَّدة ذات الحمولة النوويّة أو الجرثوميّة الذين بيَدهم كبسة الإطلاق. كما هناك أدب نهاية العالم (Apocalyptic) وما بعد نهاية العالم (Post-Apocalyptic) الذي يعتمد على خيال جانح غالبًا.
لقد لجأ كثيرون إلى صوَر ورموز معقَّدة لإكراه الناس على السلوك الحسَن. في حين يقضي موضوع “الحساب” بأن يعيش المرء بوَعي وبمسؤوليّة في المجتمع، لا أن يتصرّف بلامبالاة وعشوائيّة مع أشباهه.
في رواية متّى للإنجيل يرِد الكلام عن “الدينونة” على أنّها جمعٌ لكلّ الأُمم لدى “ابن الانسان” في “مجده”[ يفيدنا القدّيس إيريناوس أنّ مجد الله هو الإنسان الحَيّ!]، وتميِيز بين الخراف والجداء. لأوّل وَهلة، يبرز الأمر وكأنّ هناك ديّان -قاضٍ ينظر في دعوى، ومحكومين ينتظرون صدور الحُكم. كثيرون يفهمون نصّ متّى حرفيًّا. غير أنّ يسوع يعمل بحسب الروح (يوحنّا 3 و 4 ). وهو من خلال مثَل الدينونة يركِّز على المعاملة الإيجابيّة بالمِثل (عامل الناس كما تريد أن تُعامَل) والرحمة في كلّ الأحوال انطلاقًا من قلب محبّ للإنسان – كلّ إنسان وكلّ الإنسان – وعلى أساس أفعال المحبّة وحسب. الإنسان المسؤول يعرف أنّ الله ليس “راصدًا للآثام”(مزمور 129: 3) لا عبر السحاب الفضائيّ (الكْلَوْد Cloud) ولا عبر سجلاّت عملاقة كما صوّروها لنا في الماضي السحيق.
3.”إنّ الطعام لا يُقرِّبنا إلى الله”
إلى الصائمين اليوم في الموعد نفسه، من مسيحيّين ومسلمين، المُريدين التقرّب إلى الله (لوقا 10: 27)، بادروا إلى إطعام الجائعين القريبين منكم، وعيادة المرضى من حولكم، وزيارة المساجين المتروكين لقدَرهم في سجوننا – القابلة للانهيار كما في طرابلس-، وإرواء العطاش لا إلى الماء وحسب بل وإلى البِرَ، وإيواء “الغريب” فتكونوا ذوي “قُربى” بعد الآن، وكسوة العريانين لا بالثياب وحدها بل بالحنان وبالرحمة أكثر، وحبّ الخلائق على أنواعها والحفاظ على الطبيعة بكلّ ما فيها من طاقات حياة. على أن ترافقنا هذه الممارسة الحُبَّويّة والرحمويّة طيلة ايّام حياتنا، مغذِّين[ في القداس نسال”أن نؤدّي جوابًا حسنًا لدى منبر المسيح”. هذا الجواب هو يوميّ لا بل آنيّ لحظَويّ على اساس الحبّ.] إيّاها دومًا ومُنَمّين، لا أن تقتصر على فترة زمنيّة طقسيّة “واجبة” علينا كما نعتقد.
ما يهمّني هو الدينونة الآنيّة التي يُمارسها كثيرون في علاقتهم بالاخَر المختلف أو المُستَضعَف خصوصًا (لوقا 10: 30-36). الدينونة اللَّحظَويّة لا يُؤتيها إلَّا التائب الحقّ الذي أجرى مراجعة حياة صادقة ومَرَّ بتحوُّل كيانيّ. التائب الحقّ هو الذي يُبدي الاستعداد للإصغاء كـ “علامة أولى تُظهر الرّغبة في الدّخول في علاقة مع الآخر” بدءًا من الله. ويُولي “الإصغاء إلى صرخة المظلوم (كـ) بداية تاريخ من التّحرير”(لوقا 4: 16-22)، عبر ” تمييز ذلك الصّوت الّذي يرتفع من الألم والظّلم[ يشير البابا لاوون 14 إلى أنّ “حالة الفقراء تمثّل صرخة تُسائل باستمرار، في تاريخ البشريّة، حياتنا ومجتمعاتنا والأنظمة السّياسيّة والاقتصاديّة، والكنيسة أيضًا”.]، لكي لا يبقى بلا جواب” (خروج 3: 7) على حدّ تعبير لاوون الرابع عشر[ في رسالة الصوم 2026، :”الإصغاء والصّوم. الصّوم كزمن للارتداد”، 13 شباط 2026.]. والتائب الحقّ يزِن كلماته بحيث لا يجرح أحدّا ولا يستفزّ ولا يحرِّض على السوء أو الكراهيّة والبغضاء ولا على قتل ” الآخَر المختلِف” لأنّه لا يُشبهه كما روَّج بعضنا. ويبتعد عن “الحُكم الفوريّ، والتّحدّث بسوء عن الغائب الّذي لا يستطيع الدّفاع عن نفسه، والافتراءات” كما جاء في رسالة الصوم 2026 للبابا لاوون الرابع عشر. هذه الافتراءات ينبغي التوقّف عند وجهٍ سافر لها هو وجه الرأسماليّة المتوحّشة التي تتآكل معها الحدود، والتي حذّر منها البابا فرنسيس بقوّة. كيف؟ “عندما يعيش الشخص طويلًا في بيئة لا تُحاسِب، ويحظى بحصانة سياسيّة واجتماعيّة، ويُعامَل كاستثناء، يقوم، وفقًا لألبرت باندورا، بتبرير تصرّفاته ويُشيِّء الضحايا ويُلقي باللّوم عليها”. لذا “يشعر هذا النوع من البشر أنهم «آلهة»، تمتلك سلطة الحياة والموت وتقرير مصير البشر وكل مَن تراهم «دون»، بل والعالم بأسره أيضًا”[ زينب الموسوي، “التوحّش” أعلى مراحل الرأسماليّة، الأخبار، الخميس 5 شباط 2026
].
أرسى يسوع الناصريّ قاعدةً للتعامل بين الناس مُفادها أن “كما تُريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا أنتم أيضًا بهم هكذا”(لوقا 6: 31)، هل ترى فائدة منها؟
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
