
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
* بارعة الأحمر
تشكّل المياه عنصرًا بنيويًا لا ينفصل عن مختلف أشكال الحياة والنشاط الإنساني. غير أنّها، في ظلّ التغيّر المناخي وتسارع شحّ الموارد، تحوّلت إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات، ومن مسألة خدمية إلى مكوّن أساسي من مكوّنات السيادة والأمن القومي. وفي عالم يشهد تراجعًا في الموارد المتجددة، باتت سياسات المياه جزءًا لا يتجزّأ من السياسات العامة، وميدانًا متقدّمًا للدبلوماسية، تُقاس فيه قدرة الدول على التخطيط، وعلى تحويل المعرفة العلمية إلى قرار سيادي وأدوات تفاوضية فاعلة. وتصبح الإدارة المتكاملة للموارد المائية شرطًا بنيويًا لأي سياسة تنموية.
ويبرز هذا التحدي في بلدان جنوب شرق حوض المتوسط، حيث تتقاطع محدودية الموارد المائية مع نمو سكاني متسارع وضغوط مناخية متزايدة، فيما لا تزال المقاربات القطاعية المجزّأة تحكم إدارة المياه، على حساب المقاربات الشمولية القادرة على دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وفي الشرق الأوسط تحديدًا، اكتسبت المياه بعدًا جيوسياسيًا متناميًا، إذ تتشارك الدول أحواضًا وأنهارًا عابرة للحدود، مثل النيل ودجلة والفرات ونهر الأردن والعاصي والكبير، ما جعل المياه عنصرًا حاضرًا في معادلات النزاع والتعاون.
من هنا باتت الإدارة المتكاملة للموارد المائية في صلب الاهتمامات الدبلوماسية لدول المنطقة، بعدما تحوّلت المياه إلى قضية عابرة للحدود، تتشابك فيها الاعتبارات البيئية مع الحسابات السياسية والأمنية. وقد عزّز هذا الواقع إدراج المياه ضمن ملفات السيادة والأمن، لا سيما في مناطق النزاعات المفتوحة أو غير المحسومة.
المفارقة اللبنانية: بلد المياه… بلا أمن مائي
وتتكشّف المفارقة بأقصى درجاتها في لبنان: بلد غني بالأنهار والينابيع، يُجبر المواطنون على شراء مياه الشرب والاستخدام اليومي، فيما تُهدر سنويًا كميات ضخمة من المياه لتصبّ في البحر من دون أي استثمار أو تخزين فعّال. مقابل الهدر وإنفاق مليارات الدولارات على مشاريع سدود أثبتت محدودية جدواها أو فشلها، من دون أن تؤمّن أمنًا مائيًا أو استقرارًا زراعيًا. ما يهدّد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي ويعمّق الهشاشة الاجتماعية. وقائع تؤكد أنّ أزمة المياه في لبنان ليست تقنية، بل نتيجة مباشرة لاختلال بنيوي في السياسات العامة وغياب القرار السيادي في إدارة هذا المورد الحيوي.
الإدارة المتكاملة: الإطار الغائب
تُعدّ الإدارة المتكاملة للموارد المائية الإطار النظري والعملي الأقدر على معالجة هذا الخلل، إذ تقوم على مقاربة شمولية تهدف إلى تحقيق أقصى منفعة اقتصادية واجتماعية من المياه، مع ضمان العدالة في التوزيع وحماية النظم البيئية. وذلك عبر مسارين متكاملين: مسار عمودي يشمل إدارة دورة المياه بكامل مراحلها من الموارد التقليدية إلى غير التقليدية؛ ومسار أفقي يدمج قطاعات التعليم والإعلام والصحة والبيئة والاقتصاد والزراعة والتمويل والإدارة ضمن سياسة مائية واحدة.
ولبنان كان التزم نظريًا بهذا التوجّه عبر توقيعه عام 2015 على ميثاق باريس للمياه، الذي يدعو إلى اعتماد الإدارة المتكاملة والمستدامة للأحواض الوطنية والعابرة للحدود، بما يحدّ من تأثيرات تغيّر المناخ، مع الالتزام بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية، القائمة على مبدأي “الاستخدام المنصف” و”عدم إحداث ضرر جسيم”. غير أنّ هذا الالتزام بقي في معظمه حبرًا على ورق، بفعل غياب القرار السياسي، وضعف الأطر المؤسسية، وافتقار الدولة إلى نظام وطني متكامل لإدارة المياه.
تقرير قمير: المعرفة بلا قرار
ويشير تقرير (لجنة دراسة الأمن المائي)، التي ترأسها الدكتور فادي قمير قبل استقالته عام 2021 من موقعه على رأس المديرية العامة لوزارة الطاقة والمياه، إلى أنّ التحدي الحقيقي في لبنان لا يكمن في نقص المعطيات العلمية، بل في عجز الدولة عن تحويل قواعد البيانات المتوافرة إلى أدوات للتخطيط الاستراتيجي وصناعة القرار، وإلى مادة تفاوضية سيادية قابلة للاستخدام في المسارات الإقليمية العابرة للحدود. ويؤكد التقرير أنّ ضعف الحوكمة وغياب التنسيق المؤسسي يحدّان من قدرة لبنان على الدفاع عن حقوقه المائية خلال أي مفاوضات مع دول الجوار.
نهر العاصي: اختبار دبلوماسية المياه
وتتجلّى هذه الإشكالية بوضوح في إدارة الموارد المائية المشتركة، ولا سيما في ملف نهر العاصي. فقد شكّل توقيع الاتفاق اللبناني–السوري عام 2002 محطة أساسية في تثبيت الحقوق المائية اللبنانية، إذ أقرّ بحصص واضحة للبنان وربط إدارة النهر بمبدأي الاستخدام المنصف وعدم إحداث ضرر جسيم، ما أسهم في تصحيح الخلل التاريخي في إدارة الحوض. إلا أنّ غياب آليات مؤسسية فاعلة لتبادل البيانات والتنسيق الفني، حال دون تحويله إلى رافعة استقرار وتنمية. وهكذا، تحوّل ملف العاصي إلى نموذج كاشف لحدود دبلوماسية المياه في لبنان، ولعجز الدولة عن تحويل المعرفة والاتفاقيات إلى أدوات سيادية فاعلة.
السلام الأزرق: نافذة دبلوماسية
ومن هنا، يشكّل وجود لبنان ضمن اللجنة الاستشارية لمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط فرصة تقنية–سياسية فريدة لتحصين أمنه المائي وربطه بمسار دبلوماسي إقليمي قائم على التعاون بدل الصراع. وتنطلق المبادرة، التي تقودها سويسرا بالشراكة مع مؤسسات دولية، من اعتبار المياه العابرة للحدود أداة للسلام المستدام بدل الصراع. ويتمثّل لبنان في هذه المبادرة من خلال مساهمات الدكتور فادي قمير، المبنية على خبرته المتخصصة، ولا سيما في مجال بناء قواعد بيانات مشتركة وتثبيت مبدأ “عدم إحداث ضرر جسيم”، بما يعزّز جهوزية لبنان العلمية والمعلوماتية في أي مسار تفاوضي إقليمي مقبل، من دون تعريض حقوقه المائية للمخاطر.
جامعة البلمند: مأسسة الدبلوماسية المناخية والسياسات المائية
وتتكرّس هذه الرؤية مؤسسيًا وأكاديميًا من خلال المبادرة التي أطلقها البروفسور فادي قمير من جامعة البلمند، التي أُنشأت مركز “الدبلوماسية المناخية والسلام المستدام”، بالتنسيق مع معهد قبرص للبحوث والتكنولوجيا والابتكار، وفي إطار التعاون مع لجنة سياسات المياه والمناخ. ويُعدّ هذا المركز منصة رائدة هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، تعمل بالتعاون مع كلية الأمن والدفاع الأوروبية، وتهدف إلى تعزيز التميّز البحثي، وبناء القدرات التفاوضية، وتطوير الدبلوماسية العلمية، وربط دبلوماسية المياه بمتلازمة الطاقة والمياه والأمن الغذائي والنظم البيئية ضمن إطار أوروبي–متوسطي.
وقد حظيت هذه المبادرة بدعم رسمي من رئيس الجمهورية جوزف عون، الذي شدّد على أهمية دور الجامعات اللبنانية والدبلوماسية العلمية في تعزيز الاستقرار الوطني، معتبرًا أنّ انخراط لبنان في هذا المسار يعزّز موقعه على المستوى الأوروبي–المتوسطي.
الجنوب واتفاقية الهدنة: الخط السيادي
وسط كل هذا يكتسب ملف المياه على الحدود الجنوبية مع إسرائيل حساسية سيادية خاصة. إذ يحذّر قمير من مخاطر الانخراط في مفاوضات مجزّأة حول المياه خارج الإطار القانوني لاتفاقية الهدنة لعام 1949، التي تشكّل المرجعية الدولية الوحيدة السارية في غياب معاهدة سلام. ويؤكد أنّ تجاوز هذا الإطار سيحوّل الحقوق المائية من مسألة سيادية شاملة إلى ملفات تقنية مشتتة ومنفصلة، ما يعرّض لبنان لخسائر استراتيجية في ظل اختلال موازين القوى. ومن هنا، تبرز ضرورة اعتماد مقاربة تفاوضية شاملة، تستند إلى فرق تقنية متمرّسة ودبلوماسيين محترفين، قادرة على حماية الحقوق اللبنانية في حقل تفاوضي ملغوم وبالغ التعقيد.
لم تعد قضية المياه في لبنان ملفًا تقنيًا معزولًا، بل رهانًا سياديًا بامتياز، يفرض انتقالًا حاسمًا من إدارة مشتّتة إلى دبلوماسية مائية متكاملة، قادرة على تحويل الثروة المائية إلى عنصر قوة واستقرار.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
