
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
مارك ضو- نائب في البرلمان اللبناني
في عام 1825، لم يكن إعدام بشير جنبلاط حادثة معزولة ولا مجرّد تصفية زعيم عظيم لقبه “عمود السما”. شكّل ذلك الحدث لحظة مفصلية في تاريخ جبل لبنان، حين اعتقدت السلطة العثمانية، عبر والي عكّا، أن “الاستقرار” يمرّ بإزاحة زعامة درزية مركزية وكسر بنية اجتماعية لعبت دوراً أساسياً في حفظ توازن الجبل بين ولايتي عكّا والشام.
في تلك المرحلة، كان جبل لبنان مساحة شديدة الحساسية في ميزان النفوذ العثماني في إمارة انتقل الاقطاع منها من آل معن الدرزية إلى اخوالهم آل شهاب السنة الذين اعتنقوا المسيحية لاحقاً”.
سعت عكّا وواليها إلى فرض سيطرة مباشرة على الجبل، ورأت في الزعامة الجنبلاطية عائقاً سياسياً وأمنياً، لا لأنها الأقوى بين الدروز فحسب، بل لأنها كانت تعبّر عن قدرة الجبل على لعب دور مستقل، يستفيد من التناقضات بين الولايات بدل الخضوع لإحداها.
لم يكن الهدف تهدئة الصراع الداخلي بين الأمير بشير الشهابي وبشير جنبلاط كما جرى الترويج، بل كسر قدرة إمارة الجبل، والزعامة الدرزية تحديداً، على المناورة السياسية وصون استقلال قرارها.
من أحداث السويداء الأخيرة. (أ.ف.ب)
النتيجة لم تكن استقراراً، بل بداية سلسلة انهيارات. فبعد إقصاء بشير جنبلاط بتدخل عسكري من والي عكّا، اختلّ ميزان القوى الداخلي، وتراجع منطق الشراكة بين الدروز أنفسهم، ثم بين الدروز والمسيحيين.
هذا الاختلال لم يظهر فوراً، لكنه تراكم حتى تفجّر في حرب 1840، التي انتهت بتقسيم الجبل إلى قائمقاميتين، قبل أن يبلغ ذروته في مأساة 1860، حين تحوّل الصراع السياسي إلى عنف أهلي دموي، دفع ثمنه الدروز والمسيحيون معاً. عندها، خرج جبل لبنان من كونه مساحة توازن محلية، ودخل زمن التدخلات الدولية، ما أفضى إلى إنشاء متصرفية جبل لبنان وإنهاء إمارة الجبل نهائياً.
الدرس الأساسي من 1825 لا يقتصر على مأساة إعدام زعيم الدروز، بل يكمن في تفكك المنظومة السياسية التي حفظت الجبل لعقود ككيان يتمتّع باستقلالية نسبية وقدرة على إدارة نفسه بين عكّا والشام.
الخطأ التاريخي الذي ارتكبه بشير جنبلاط لم يكن في المواجهة بحد ذاتها، بل في الظنّ أن أحد الولاة سيمنع الآخر من الانفراد بالجبل وفرض إرادته على أهله. وهو خطأ يتكرّر بأشكال مختلفة اليوم، حين يُراهن البعض على “شامٍ” أو “تل أبيب” أو أي محور خارجي بوصفه مظلّة حماية. ما حمى الجبل تاريخياً لم يكن والي دمشق ولا والي عكّا، بل وحدة داخلية درزية، وشراكة متينة مع المسيحيين، سمحت باستثمار التناقضات الإقليمية لمصلحة الجبل، لا الارتهان لها.
المشهد الراهن يفرض قراءة هذه الدروس بوضوح أكبر. السؤال لم يعد تاريخياً فحسب، بل سياسيٌّ ووجوديّ: كيف يُصان دور لبنان، والدروز تحديداً، في زمن انهيار المحاور وصعود الفوضى؟ الدروز أقلية عددية في المشرق، لكنهم ليسوا جماعة طارئة ولا عابرة. جذورهم ضاربة في هذه الأرض، وفي جبل لبنان تحديداً، حيث شكّلوا عبر القرون ركيزة من ركائز التوازن، لا أداة في يد الخارج ولا جماعة تبحث للتمدد على أرض غيرها.
هذا الدور لم يُبنَ على الغلبة ولا على الاستقواء بمحور ضد شريك داخلي، بل على الشراكة والتوازن والتمسّك بالأرض. وهو لا يُصان عبر تضخيم أي زعامة أو إلغاء أخرى، بل عبر وعي جماعي بترابط المصير، مع احترام سيادة الدول، وتحييد المجتمع الدرزي أينما وُجد عن أن يتحوّل إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
التاريخ الحديث قدّم مثالاً صارخاً على كلفة الرهان على “ولاة” العصر. ففي عام 1982، احتمى جزء من أهل جبل لبنان بالقوة الإسرائيلية، فيما رأى آخرون في نظام الاسد في سوريا مظلّة حماية ودعم.
النتيجة كانت كارثية: اجتياح إسرائيلي، تدخل سوري أعمق، اندلاع حرب الجبل، وانكسار مزدوج للمسيحيين والدروز معاً. لم يربح أحد، وخسر الجبل مرة جديدة استقلال قراره، تماماً كما حصل بعد 1825.
ما يجري اليوم في السويداء يعيد طرح الدرس نفسه. في ظل الجرائم المروّعة التي ارتكبتها قوى متطرفة دينياً مرتبطة بالسلطة في دمشق، والانكشاف الأمني والسياسي الذي تعيشه المنطقة، يلوح خطر رهان جديد على حماية خارجية، هذه المرة عبر إسرائيل. الهجوم البربري للمتطرفين والمجازر والفظائع التي ارتكبت بحق أهالي السويداء وذبح آلاف منهم وتخلي جميع الدول عن حمايتهم ألزم أهالي السويداء بالالتجاء إلى إسرائيل بعدما استبيحت عشرات القرى والبلدات والتنكيل بأهلها وبمدينة السويداء.
أدى ذلك إلى استغلال إسرائيل انكشاف الدروز وتدخلها المباشر الذي حماهم من جحافل باتت تأتي من كل صوب للاعتداء على السويداء في ظل صمت عربي ودولي. لذلك حماية أهل السويداء فرضت “ضرورة مرحلية” في لحظة رعب ومجازر. لكن التجربة التاريخية واضحة: الضرورة تبرّر المخاطرة، لكن القوى الخارجية لا تحمي جماعة لذاتها، بل تستخدمها مرحلياً ثم تتخلّى عنها عند تغيّر المصالح.
عندما تتخلّى إسرائيل عن السويداء، كما تخلّت سابقاً عن حلفائها في لبنان، سيُترك الدروز مجدداً في مواجهة سلطة غاضبة ومحيط متفجّر، من دون شبكة أمان حقيقية. عندها، سيكون الثمن دماً وتهجيراً وانقساماً داخلياً، كما حصل في جبل لبنان عام 1983.
ما تحتاجه السويداء اليوم ليس استبدال والي الشام بوالي عكّا جديد، بل تعزيز حماية ذاتية سياسية واجتماعية ضمن دولة سورية موحّدة لامركزية، تقوم على وحدة أهلها، وعلى دعم دروز لبنان والأردن وإسرائيل لأهلهم، حمايةً لهم ووقف تحويل منطقتهم إلى ساحة صراع بين المصالح الاقليمية.
خلاصة القول، من 1825 إلى 1860، ومن 1982 إلى السويداء اليوم، يتكرّر الدرس نفسه بأشكال مختلفة: لا استقرار في هذه المنطقة عبر إقصاء المكوّن الدرزي، ولا حماية للدروز عبر الارتهان للخارج إن كان المحور عربياً أو فارسياً أو غير ذلك. ولا مستقبل للبنان من دون وحدة داخلية وشراكة وطنية حقيقية، خصوصًا مع المسيحيين وسائر المكوّنات. استقلال لبنان، منذ أيام الإمارة حتى اليوم، قام على قدرته للوقوف على الحياد بين “عكّا” و”الشام” وما هو أبعد منهما من محاور.
جبل لبنان مساحة توازن دقيق، يسقط عندما يتحوّل إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. والدروز، كما غيرهم، لا يحتاجون إلى ولاة ولا إلى حماة ولا الى تقديم فحصوصات دم من أي نوع خاصة في انتمائهم وهويتهم العربية، بل إلى عقد سياسي عادل يكرّس الشراكة لا الغلبة في الدول التي ينتمون إليها. التاريخ لا يُستعاد للبكاء عليه، بل للتعلّم منه، ولتفادي تكراره، قبل أن يُدفع الثمن مرة جديدة بدماء الأبرياء.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
