أخبار

إصرار الإطار التنسيقي على ترشيح المالكي يعمّق الانقسام السياسي في العراق

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

بغداد – محمد البغدادي 

في لحظة سياسية بالغة الحساسية يمر بها العراق، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، يعود ملف رئاسة الوزراء ليتصدر واجهة الجدل، مدفوعاً بإصرار الإطار التنسيقي على إعادة ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة المقبلة. هذا الإصرار لا يأتي في فراغ، بل في ظل رفض أميركي معلن وممتد، يوصف في الأوساط السياسية بـ”الفيتو الواضح”، رافقته تحذيرات مباشرة من الولايات المتحدة الأميركية من تداعيات خطيرة قد تطال العراق، وفي مقدمها فرض عقوبات اقتصادية ومالية في حال المضي بهذا الخيار.

 

وتكمن خطورة هذا الملف في كونه يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية بين القوى العراقية، ليتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الموازنة بين ما تسميه بعض القوى بـ”السيادة الوطنية وحرية القرار”، وبين متطلبات الواقع الدولي الذي يرتبط فيه العراق بشبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والأمنية، لا سيما مع واشنطن، سواء في ما يتعلق بالملف المالي، أو الاستثناءات الخاصة بالطاقة، أو التعاون الأمني والعسكري، أو حتى حركة التحويلات المصرفية والدعم الدولي.

 

 

 

في المقابل، يتمسك الإطار التنسيقي بموقفه باعتبار ترشيح المالكي خياراً سياسياً داخلياً نابعاً من موازين القوى داخل البرلمان، ومن قناعة بعض أطرافه بأن الضغوط الخارجية يجب ألا تتحول إلى عامل حاسم في رسم شكل الحكومة المقبلة. غير أن هذا التوجه يثير مخاوف واسعة لدى اطراف سياسية ومراقبين، يحذرون من أن تجاهل التحذيرات الأميركية قد يفتح الباب أمام سيناريوهات شديدة التعقيد، تبدأ بتضييق الخناق الاقتصادي، وتهديد الاستقرار النقدي والمالي، ولا تستبعد انعكاس ذلك على الوضع الاجتماعي والمعيشي للمواطن العراقي.

 

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال الجمعة، في تصريحات صحافية “إننا ننتظر تعيين رئيس وزراء جديد في العراق، وننظر في مسألة رئيس الوزراء العراقي ولدينا بعض الخيارات بشأن ذلك”. وفي 27 كانون الثاني/ يناير 2026، نبه إلى أن “عودة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة أمر لا ينبغي السماح به، فالعراق انزلق إلى الفقر والفوضى خلال ولايته السابقة”.

 

كذلك، أكد القائم بالأعمال في السفارة الأميركية في العراق جوشوا هاريس، الخميس الماضي، خلال اجتماعه مع رئيس تحالف النهج الوطني عبد الحسين الموسوي، إحدى قوى الاطار التنسيقي على “أهمية بقاء أي حكومة عراقية مستقلة ومركزة على المصالح الوطنية لجميع العراقيين”، مؤكدا ان “واشنطن مستعدة لاستخدام كامل نطاق الأدوات المتاحة لمواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في العراق”.

 

“دولة القانون”

ويؤكد القيادي في ائتلاف دولة القانون زهير الجلبي، لـ”النهار”، ان “الإطار التنسيقي يظهر إصراراً واضحاً، وبالأغلبية، على ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، وذلك رغم الموقف الأميركي المعلن والمعارض لهذا الترشيح، والإطار يؤمن بأن اختيار المالكي يأتي انسجاما مع رؤية القوى السياسية الممثلة فيه، وبأنه الشخص القادر على قيادة المرحلة المقبلة وتجاوز التحديات الداخلية والإقليمية”.

 

وأضاف الجلبي ان “النقاشات داخل الإطار مستمرة حول السيناريوهات المحتملة في حال استمرار الرفض الدولي، والإصرار على ترشيح المالكي يأتي من قناعة الأغلبية داخل الإطار، رغم ما قد يترتب على ذلك من ضغوط خارجية، بما فيها الموقف الأميركي”.

 

ومع ذلك، لفت إلى ان “الإطار التنسيقي يسعى لتجنب أي انزلاق نحو العزلة الدولية، والقرار النهائي سيتخذ بعد دراسة جميع الخيارات ومراعاة مصالح العراق العليا، لكن حتى الساعة الإطار التنسيقي مصر على ترشيح المالكي وهو المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء خلال المرحلة المقبلة، وهناك دعم سياسي واضح لهذا الترشيح من جميع القوى السياسية من باقي المكونات السياسية وليس الشيعية فقط داخل الإطار”.

 

“تيار الحكمة”

وكشف علي الياسري، القيادي في تيار الحكمة، بزعامة عمار الحكيم، لـ”النهار”، إن “عدداً من القوى الفاعلة داخل الإطار التنسيقي باتت تدرك جيداً خطورة التهديدات الأميركية المتصاعدة بفرض عقوبات على العراق، في حال الاستمرار بترشيح المالكي لتولي رئاسة الوزراء”.

 

وأوضح أن “هناك رسائل أميركية جديدة وصلت خلال الأيام الماضية، تؤكد استمرار رفض الولايات المتحدة الأميركية لهذا الترشيح، ولهذا يجب الحذر من تداعيات سياسية واقتصادية قد تنعكس سلباً على الوضع الداخلي، في حال تجاهل هذه التحذيرات والمضي بالمسار ذاته”.

 

وأضاف ان “الأوساط السياسية تشهد نقاشات مستمرة ومكثفة تهدف إلى إيجاد مخرج وطني مسؤول يبعد العراق عن أي عقوبات محتملة لا يتحملها خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والخدمية التي يواجهها المواطن”.

 

وأكد الياسري أن “تيار الحكمة كان ولا يزال واضحاً في موقفه، لذا فاننا لم ولن نكون سبباً أو جزءاً من فرض أي عقوبات على بلدنا، وموقفنا من ترشيح المالكي واضح ومعلن، ويتضمن تحفظاً صريحاً نابعاً من حرصنا على المصلحة العليا للعراق واستقراره السياسي والاقتصادي”.
وختم القيادي في تيار الحكمة قوله انه “يجب تغليب المصلحة الوطنية، واعتماد خيارات سياسية تضمن حماية سيادة العراق وعلاقاته الدولية، وتجنب إدخاله في أزمات إضافية في مرحلة حساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية والتوافق”.

 

“تقدم”

من جهته، جدد القيادي في حزب تقدم، إحدى أكبر القوى السياسية العربية السنية في العراق علي نجدية، لـ”النهار”، رفض الحزب لترشيح المالكي، وذلك “استناداً إلى جملة من الأسباب الموضوعية والسياسية المرتبطة بتجربته السابقة في إدارة الحكومة خلال دورتين متتاليتين في السنوات الماضية، وتلك المرحلة شهدت أخطاء جوهرية على المستويين السياسي والإداري، لا يمكن تجاوز آثارها أو القفز عليها في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها العراق، والعودة إلى الخيارات ذاتها لن تسهم في تحقيق الاستقرار أو تلبية تطلعات الشارع العراقي”.

 

ولفت إلى أن “هناك خشية حقيقية من أن يؤدي الإصرار على هذا الترشيح إلى تعريض العراق لمخاطر اقتصادية جسيمة، وإعادته إلى دائرة العزلة الدولية، ولا سيما في ظل الموقف الواضح من الولايات المتحدة الأميركية الرافض لهذا الخيار، وهذا الموقف من المرجح أن يكون مدعوماً من قبل دول أوروبية وقوى إقليمية فاعلة، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على علاقات العراق الخارجية ومسارات الدعم الاقتصادي والاستثماري”.

 

وأضاف ان “المرحلة المقبلة تتطلب تغليب المصلحة الوطنية، والذهاب نحو خيارات سياسية قادرة على بناء علاقات متوازنة مع المجتمع الدولي، وتحصين العراق من أي عقوبات أو ضغوط خارجية، وعلى جميع القوى السياسية التعامل بمسؤولية عالية، وتجنب فرض خيارات من شأنها تعقيد المشهد السياسي وزيادة الأزمات التي يتحمل المواطن العراقي تبعاتها”.

وحذر أستاذ العلوم السياسية خالد العرداوي من خطوة استمرار الإطار التنسيقي في الإصرار على ترشيح المالكي، رغم الرفض والفيتو الأميركي الواضح والمعلن لهذا الترشيح، معتبراً أن “الإصرار قد يضع العراق أمام مخاطر جسيمة على المستويات المالية والاقتصادية والأمنية”.

 

وبين العرداوي ان “الموقف الأميركي المعلن لا يمكن التقليل من شأنه، لا سيما مع وجود رسائل وتحذيرات مباشرة تشير إلى استعداد الولايات المتحدة لتنفيذ تهديداتها بفرض عقوبات قاسية ورفع مستويات الدعم المختلفة عن العراق في حال المضي بهذا المسار السياسي، وتلك العقوبات قد تطال الجوانب المصرفية والتحويلات المالية والغطاء الدولي للتعاملات الاقتصادية”.

 

وأضاف ان “العراق يعتمد بشكل كبير على التفاهمات الدولية في إدارة ملفاته المالية، لاسيما ما يتعلق بعائدات النفط، والتعاملات المصرفية، ودعم الاستقرار النقدي، ويجب الحذر من أن أي توتر حاد مع واشنطن قد يؤدي إلى عزلة مالية واقتصادية خانقة، تنعكس مباشرة على معيشة المواطنين واستقرار السوق المحلية”.

 

وحذر أستاذ العلوم السياسية من أن “الجانب الأمني ليس بمنأى عن هذه التداعيات، إذ إن رفع أو تقليص الدعم الدولي في مجالات التدريب والتسليح والتنسيق الأمني قد يخلق فراغاً خطيراً، ويؤثر على قدرة العراق في مواجهة التحديات الأمنية والإرهابية، في وقت ما زال البلد بحاجة إلى دعم دولي متوازن لتعزيز الاستقرار”.

 

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى