
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
لم يكن التراجع الأخير في سندات الخزانة الأميركية مجرد حركة عابرة في سوق اعتادت امتصاص الصدمات، بل بدا كأنه تذكير صريح بأن أكبر سوق دين في العالم لم تعد بمنأى عن التحولات الجيوسياسية العميقة. فالدعوة الصينية إلى تقليص حيازاتها موقتاً أعادت إلى الواجهة مساراً بدأ منذ أكثر من عقد، حينما شرعت بكين تدريجياً في خفض انكشافها على الدين الأميركي، في خطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً أكثر منه قراراً تكتيكياً.
الصين، التي كانت يوماً أكبر دائن أجنبي لواشنطن، قلّصت حيازاتها إلى نحو النصف مقارنة بذروتها في 2013. لذلك لم يُفاجأ المستثمرون بالتقارير التي تحدثت عن حثّ الجهات التنظيمية الصينية البنوك على الحد من مشترياتها. فالاتجاه قائم بالفعل، وما يجري اليوم يبدو امتداداً لمسار طويل من إعادة توزيع الاحتياطيات وتنويع الأصول بعيداً عن التركّز المفرط في الدولار.
مع ذلك، فإن القراءة المتأنية للمشهد تُظهر مفارقة لافتة. فرغم هذا التراجع الصيني، ارتفعت الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة إلى مستوى قياسي بلغ 9.4 تريليونات دولار في نوفمبر، وإن كانت نسبتها من إجمالي الدين قد انخفضت إلى نحو 31% مقارنة بـ50% قبل عقد تقريباً. هذا يعني أن الطلب الخارجي لم يتلاشَ، بل لم يعد يواكب ببساطة التسارع الكبير في الاقتراض الأميركي.
سوق الخزانة الأميركية أثبتت مرونة لافتة. فروق الأسعار بقيت ضمن نطاقات ضيقة، والتقلبات تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، والمزادات مرّت بسلاسة. حتى في فترات التوتر، لم تظهر مؤشرات إلى عزوف واسع أو اضطراب هيكلي. وكأن السوق تقول إن خروج لاعب كبير لا يعني غياب المشترين، بل إعادة توزيع للأدوار.
لكن القلق لا يرتبط بالصين وحدها، بل بإمكان تحوّل المزاج الاستثماري العالمي. السياسات غير المتوقعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولا سيما الرسوم الجمركية الواسعة وما عُرف بـ”يوم التحرير”، إضافة إلى تهديداته المتعلقة بغرينلاند، أثارت تساؤلات لدى الحلفاء قبل الخصوم. في عالم المال، الثقة عامل حاسم، وأي اهتزاز فيها قد يدفع مستثمرين تقليديين – في أوروبا أو اليابان – إلى إعادة تقييم انكشافهم.
الولايات المتحدة لطالما استفادت مما يُسمّى “الميزة الباهظة”، أي القدرة على تمويل عجزَيها المالي والتجاري بسهولة بفضل الطلب العالمي على الدولار وسندات الخزانة. تدفّق الدولارات إلى الخارج نتيجة العجز التجاري يخلق حاجة لدى الدول لإعادة استثمارها؛ وكانت الخزانة الأميركية الوجهة الطبيعية. لكن هذه المعادلة ليست قدراً محتوماً. فإذا قرر المستثمرون الأجانب تقليص تعرضهم، ولو بشكل تدريجي، فقد يضعف الدولار وترتفع تكاليف الاقتراض، ما يضغط على المالية العامة ويزيد هشاشة الاقتصاد.
الأسواق لمّحت إلى هذا السيناريو في أعقاب موجة الرسوم الجمركية، حينما تراجعت الأسهم والسندات والدولار معاً، في مشهد نادر أجبر الإدارة الأميركية على التراجع جزئياً. ورغم أن الاضطراب كان قصير الأمد، فإن الدولار خسر نحو 10% منذ عودة ترمب إلى السلطة، مقترباً من أضعف مستوياته منذ 2022، في إشارة إلى أن بعض المستثمرين أعادوا توزيع محافظهم بالفعل.
يضاف إلى ذلك التطور الرمزي المهم بسحب آخر تصنيف ائتماني من الدرجة العليا للولايات المتحدة في مايو 2025، بعد أن رأت وكالة “موديز” أن آفاق العجز طويلة الأمد لم تعد متوافقة مع تصنيف “AAA”. ارتفاع عائد السندات الثلاثينية فوق 5% لفترة وجيزة عكس حساسية السوق تجاه أي تشكيك في متانة المالية الأميركية.
مع ذلك، يبقى السؤال الجوهري: هل هناك بديل حقيقي؟ أسواق مثل أستراليا أو المملكة المتحدة قد توفر عوائد مشابهة، لكنها أصغر بكثير ولا تستطيع استيعاب تدفقات بحجم تريليونات الدولارات. أما اليورو، فرغم أهميته، فلا يزال يفتقر إلى اتحاد مالي كامل وسوق دين موحّدة تضاهي عمق السوق الأميركية. واليوان الصيني، رغم طموحات بكين، تحيط به قيود رأسمالية ومخاوف تتعلق بالشفافية والسيولة.
حتى الصين نفسها، التي تسعى إلى تقليص انكشافها، لا تبدو قادرة على الانفصال الكامل عن الدولار. فندرة الأصول الآمنة والسائلة المقومة بعملات أخرى تجعل الاعتماد على العملة الأميركية أمراً يصعب تجاوزه في المدى المنظور. كما أن بعض التقديرات تشير إلى أن التراجع الفعلي في الحيازات قد يكون أقل حدة مما تعكسه البيانات الرسمية، نتيجة استخدام قنوات استثمارية غير مباشرة.
في المحصلة، لا يبدو أن العالم يتجه نحو “بيع أميركا” بقدر ما يعيد تسعير المخاطر المرتبطة بها. الثقة لم تنهَر، لكنها لم تعد مطلقة كما في السابق. وسوق الخزانة، رغم ضخامتها وعمقها، ليست محصنة ضد التحولات السياسية والاستراتيجية.
الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر اقتصاد وأعمق أسواق مالية وأكثرها سيولة، والدولار يظل العملة الاحتياطية الأولى. لكن الامتياز الذي اعتُبر لسنوات أمراً بديهياً بات اليوم موضوع نقاش. وإذا كان التاريخ يُظهر أن جاذبية الأصول الأميركية تصعب مقاومتها، فإن المرحلة الحالية تذكّر بأن هذه الجاذبية تعتمد في النهاية على عنصر غير قابل للقياس بدقة: الثقة.
**رئيس قسم الاسواق العالمية قي “cedra markets” جو يرق
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
