أخبار

هل مات التلفزيون ليعيش يوتيوب؟

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

الدكتور جورج نجم*

بعد بدايات علمية متواضعة في أواخر القرن التاسع عشر، ثم تجارب تقنية واعدة في عشرينيات القرن الماضي، شهد عام 1936 الولادة الرسمية للتلفزيون بشكله الحديث تقريباً، مع إطلاق BBC أوّل خدمة بث تلفزيوني منتظم في العالم. وبعد توقف قسري فرضته الحرب العالمية الثانية، بدأ التلفزيون في خمسينيات القرن الماضي يتحول تدريجياً إلى جهاز منزلي مركزي.

ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى عقود، شكّل التلفزيون الوسيط الإعلامي والتّواصلي المهيمن بامتياز: بوابة للأخبار، ومنصة للترفيه، وصانع للثقافة الشعبية. كما أصبح القناة الإعلانية الأساسية للشركات، فبنى الصّورة لكبرى العلامات التجارية حول العالم. صنع التلفزيون نجوميات، وفرض مواعيد جماعية، ونظّم الفضاء العام حول الشاشات. لم يكن التلفزيون تاريخياً مجرد وسيلة إعلام، بل طقساً اجتماعياً وإطاراً مشتركاً لقراءة العالم.

واصل التلفزيون تطوره في النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما مع تحرير السوق الإعلامية وتكاثر القنوات في الثمانينيات والتسعينيات، ثم مع الانتقال إلى البث الرقمي والدقة العالية في مطلع الألفية، وصولًا إلى الشاشات الذكية المرتبطة بالإنترنت.

 

منصة يوتيوب على جهاز كومبيوتر نقال. (فريبيك)

 

ثمّ جاء ما لم يكن في الحسبان، وُلد يوتيوب!
عام 2005 شكّل نقطة تحوّل مفصلية مع ولادة YouTube الذي استحوذت عليه Google سريعاً جداً، بعد عام واحد فقط من ولادته مقابل 1.65 مليار دولار. خطوة Google كانت استباقية ورؤيوية بامتياز، حيث أدرك العملاق التكنولوجي الأميركي مبكراً الإمكانات الثورية للفيديو الرقمي، وما يخفيه YouTube من إمكانات تطويرية وثورية هائلة. هذا الاستحواذ وفّر للبنية التحتية العالمية التي سمحت بالانتشار، والانتقال إلى ما يسمّى علميّا بِـ “ديناميّة الانتشار الفيروسي” (Virality)، ثم لاحقاً إلى نماذج معقدة من التوصية والخوارزميات وتحقيق الدخل.

وفي أقل من عشرين عاماً، لم يكتفِ يوتيوب بمنافسة التلفزيون، بل أعاد ببساطة تعريف إنتاج الفيديو وتوزيعه واستهلاكه بالكامل. وعليه، لم يعد السؤال اليوم: هل ينافس يوتيوب التلفزيون؟ بل السؤال الأعمق والأجدى هو: هل ما زلنا نشاهد التلفزيون فعلياً، بالطريقة التي عرفناها؟

نموذج مقابل نموذج
يقوم التلفزيون تاريخياً وعلمياً على منطق خطي وعمودي: جهة بث مركزية، وجدول برامج ثابت، وجمهور متلقٍ يخضع للوقت والصيغة. ورغم تحولات السوق وتعدد القنوات، بقي هذا النموذج قائماً في جوهره.

هذا الأمر شرحه باحثا الإعلام إيليهو كاتز وجاي بلوملر منذ سبعينيات القرن الماضي في كتابهما “استخدامات وسائل التواصل الجماهيري: وجهات نظر راهنة في بحوث الإشباع”، حيث يكون الجمهور جزءاً من نظام بث مركزي تتحكم فيه قلة قليلة من الفاعلين.

في المقابل، أتى يوتيوب ليقدّم منطقاً مغايراً بشكل جذري: المشاهدة عند الطلب، والاختيار الحر، والتفاعل، والخوارزميات. فالمستخدم هو من يحدد المحتوى، والتوقيت، والمدة، وحتى الجهاز. فهو لم يعد إذا متفرجاً غير فاعل، بل أضحى فاعلًا بالكامل في تجربته الإعلامية. هذا التحول ينسجم مع تحليلات مانويل كاستلز حول انتقال السلطة الاتصالية من المؤسسات المركزية إلى الشبكات اللامركزية.

حتى الإعلانات تغيّرت: فبينما يقوم التلفزيون على كثافة إعلانية قسرية، يتيح يوتيوب نماذج مرنة، تصل أحياناً إلى غياب الإعلانات التقليدية بالكامل للمشتركين، وإن بقيت أشكال غير مباشرة كالرعاية والـ product placement ضمن الأفلام التي يستهلكها المستخدم.

 

رغم كل شيء، ما زال التلفزيون حاضراً في حياتنا. (فريبيك)

 

لغة الأرقام لا تكذب
حقق يوتيوب فعلياً، في فترة زمنيّة وجيزة جداً، انتشاراً عالمياً احتاج التلفزيون إلى نصف قرن كامل لبنائه. وهو لا يزال ينمو دون توقّف، ويتطور باستمرار، من البث المباشر إلى الدقة العالية، ومن الهاتف إلى الشاشة الذكية. يصف هنري جنكينز هذا التحول بـ”ثقافة التقارب”، حيث لا تختفي الوسائل التواصليّة القديمة، لكنها تفقد مركزيتها.

اليوم، يتجاوز عدد مستخدمي يوتيوب النشطين شهرياً الملياري مستخدم، بل يقترب من عتبة الثلاثة مليارات مستخدم. ويشكّل هذا الرقم الهائل نحو ثلث البشريّة. كما يصل استهلاك يوتيوب إلى أكثر من مليار ساعة مشاهدة يومياً. واللافت أن الاستهلاك عبر الشاشات الذكية ينمو بوتيرة أسرع من الهواتف الذكية، ما يعني أن شاشة التلفزيون ما زالت موجودة… لكن من دون التلفزيون نفسه.

في هذا الإطار، تشرح الباحثة الهولندية خوسيه فان دايك كيف تحولت المنصات الرقمية إلى “هندسات ثقافية”، تعيد تشكيل العادات والتراتبيات الإعلامية، لا بوصفها أدوات تقنية فحسب، بل كفاعلين اجتماعيين متكاملين.

لبنان: حالة دراسية كاشفة
في لبنان، برز مثال دالّ عندما قررت المؤسسة اللبنانية للإرسال LBC نشر السلسلة الساخرة “مرحبا دولة” على قناتها على منصّة يوتيوب. في بداياتها، لم تحظَ السلسلة اللبنانيّة فعلياً بانتشار واسع. إلا أنه ومع تصاعد الجدل الرسمي حولها، وما رافقه من ملاحقات واستدعاءات أمنية لمنتجها وفريق عملها، تغيّرت المعادلة بالكامل.

فارتفعت عمليات البحث بسرعة، وانتشرت المقاطع، وبدأت الخوارزميات تدفع المحتوى بقوة. نحن هنا أمام ما يُعرف علميًّا بـ”تأثير سترايساند”، حيث تؤدي محاولات المنع أو التضييق إلى نتيجة عكسية، فتتضاعف الشهرة وينمو الانتشار. بعض المقاطع تجاوز عدد مشاهداته عدد سكان لبنان نفسه، في مؤشر صريح على أن يوتيوب بات أكثر فاعلية من البث التقليدي، حتى لمحتوى أُنتج أصلًا للتلفزيون.

إعادة تعريف الترفيه
لا يقتصر الأمر على السخرية السياسية. ففي الموسيقى مثلاً، يحقق فنانون لبنانيون عشرات الملايين من المشاهدات على يوتيوب، بمدى زمني وانتشار جغرافي لا يمكن لأي محطة محلية أو عربيّة أن تؤمنه. في هذا الإطار، يبيّن كلٌّ من ستيوارت كانينغهام وديفيد كريغ أن يوتيوب لم يعد مجرد منصة، بل أضحى صناعة إعلامية ضخمة قائمة بذاتها، بنجومها واقتصادها وقواعدها الخاصة.

 

صارت منصة يوتيوب من أهم مصادر الخبر. (فريبيك)

 

حين تتحول الأخبار إلى أساطير رقمية
حتى في الأخبار السياسية العالمية، يظهر الفارق بوضوح. كثير من المقاطع التي تتناول عمليات عسكرية أو أحداثاً أمنية — سواء كانت دقيقة أو مبالغاً فيها — تحقق على يوتيوب أرقام مشاهدة تفوق بكثير ما تحققه القنوات الإخبارية التقليدية مثل CNN أو BBC أو France 24. هنا نحن لا نتحدث عن دقة المعلومة، بقدر ما نتحدث عن منطق الانتشار: يوتيوب لا يصنع الخبر فحسب، بل يصنع سرديته وشهرته.

في هذا السياق، وإضافة إلى المثال اللبناني الأوّل أعلاه، نعطي مثالاً لحدث عالمي حديث. نفّذت الولايات المتحدة في بداية العام 2026 عملية عسكرية خاطفة وواسعة النطاق أطلقت عليها اسم “العزم المطلق” (Operation Absolute Resolve)، أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة تهم جنائية. بعد العملية، اجتاح المحتوى منصة يوتيوب بسرعة البرق، عبر مقاطع تظهر الطائرات الحربيّة فوق كاراكاس، ثم لقطات لمادورو وهو يُنقل على متن السفينة الحربية الأميركية USS Iwo Jima، قبل أن يُعرض مخفوراً في شوارع مانهاتن، ثم نازلاً من الطوافة محاطاً بعملاء إدارة مكافحة المخدرات DEA. وقد حقّقت هذه المقاطع عدداً لا يُحصى من المشاهدات على المنصة، في أعداد تفوق عملياً بكثير ما تم بثه ومشاهدته عن الحدث على القنوات التلفزيونية التقليدية.

خلاصة
إنّ التلفزيون لم يختفِ بعد، إلّا أنّه فقد حُكماً موقعه المركزي. أصبحت شاشة يوتيوب الشاشة الأولى في العالم بدون أيّ منازع، والملاذ البصري الأول، والمساحة الأوسع للظهور والشهرة. 

التلفزيون يستمرّ بالوجود… لكن غالباً بوصفه منتج محتوى لمنصة أخرى.

التلفزيون لم يمت تقنياً بعد.
لكنه مات رمزياً.
عاش يوتيوب!

* باحث في التسويق والتواصل، أستاذ محاضر في جامعتي EM Normandie وEM Strasbourg في فرنسا، وفي جامعة الرّوح القدس في لبنان

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى