أخبار

غياب طارق آل ناصر الدين: دمعة على خد الأرز

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

د. عبدالرحمن الجديع 

كاتب وسفير سعودي سابق

 

عندما يرحل شاعر في بلاد الأرز، تهتز الجبال كما لو أنها فقدت ظلها العالي، وتبقى الجذور ممسكة بالأرض، شاهدة على أنّ الشجرة لا تموت ما دام عطرها يسكن الريح. هكذا هم شعراء العروبة، يشبهون الأرز في صمته وكبريائه، وفي صموده أمام الريح والعواصف. يرحلون جسداً، لكنهم يظلون أحياء في الوجدان العربي، سواريهم لا تنحني، وكلماتهم تمتد من جبال لبنان إلى سعة العروبة، تذكّرنا أنّ الوطن فكرة، وأنّ القصيدة شكل من أشكال المقاومة، وأنّ غياب شاعر بوزن المير طارق آل ناصر الدين يعني أنّ الإيقاع يتوكأ على دمعه.

 

الشاعر الفذ ليس مجرد ناظم للقوافي، بل هو كينونة نابضة تحمل بين جوانحها نفساً أبية وروحاً محلقة في ملكوت الخير والحب والجمال. فالعظماء لا يطويهم النسيان، بل يفتح لهم الزمن أبواب الخلود. ولم يكن الشاعر الأديب طارق آل ناصر الدين إلا واحداً من صفوة الشعراء الذين سيحفر التاريخ أسماءهم في سجل المجد، إنساناً سمت به القيم، وشاعراً علت به المكانة.

سيبقى شعره في ذرى لبنان قبساً من نور لا يخبو، كما في أرجاء الوطن العربي، حتى وإن نضب زيت قنديله الذي طالما أضاء ليل الحرف، فجادت قريحته بالفصحى والميجانا والعتابا، حاملاً في قلبه التنوخي العريق همَّ العروبة،وأوجاع قضيتنا المركزية في فلسطين.

لقد تجسدت المكارم في شخصية ناصر الدين، فكان الشاعر الذي تشرئب إليه الأعناق فوق المنابر، متفرداًبعذوبة الكلمة وتواضع الكبار. كان شغفه بالشعر لأجل الشعر، لا طلباً لزينة أو نرجسية، أو تزلفاً لأحد، أو بحثاًعن مباهاة، بل نظمَ الدرر بأصالة الأمراء وأنَفة النبلاء. وكان صوته حاضراً في فضاء التفاعل الحضاري، متجاوزاًبسعة أفقه ضيق الطائفية والمذهبية إلى رحابة النزعة الإنسانية، بقلب مفعم بالوداعة، حاملاً على كتفيه رسالة سامية ترنو إلى الارتقاء.

كان حضوره في المهرجانات أريجاً يفوح بالمحبة، ومنارة فكرية تجسد شموخ الأحرار، يأسر القلوب بابتسامته الدائمة ومحيّاه الطلق، مستبشراً بغد أبهى للعروبة رغم النكسات المتتالية.

 

لقد تمثل الراحل، لكل من عرفه وسمع به، قامة وطنية عروبية النهج والإباء، حمل لواء القومية منافحاً عن حياضها. وما زالت أصداء حديثه الأخير ترنُّ في مسمعي حين قال:

“أقولُ لك صادقاً، أخي عبد الرحمن، لا يمرُّ يومٌ وأنا أرى العروبة تُذبح في وطني إلا و أتذكر وجهُك العروبي المشرق. أشعر اليوم أنني في آخر العمر، أُحضِّر لديون شعرٍ هو سيكون خاتمة إنتاجي، بل وزينة إنتاجي في دفاعٍ ِ هو أهمُّ من الدفاع عن نفسي الآن : الدفاع عن العروبة “.

كان يتحدث وكأنه يقرأُ في فنجان، أو يطالع لوح الغيب المرسوم.

أذكر أنني رددت عليه شعراً: “يا طارق الشعر إبداعاً وإتقانا، أعدتَ مجد القوافي  فاشمخ  الآنا”، وذلك بعد أن رأيت مسحة حزن ترتسم على جبينه الذي لطالما كان ضاحكاً مبتهجاً، وكان ذا عاطفة جياشة وجرأة منقطعة النظير.

ماذا عساي أن أقول، وقد جثم الحزنُ على صدري حين بلغني نبأُ الرحيل؟ لقد أضحى الصمتُ أبلغ من المقال أمام هذا الغياب الأبدي. نعم يا صديقي، لقد حفرَ غيابُك في القلبِ جرحاً، لكنّ ذِكرك سيبقى مخلداً، ومسيرتك ستظلُّ تلهجُ بها الألسنة ما تعاقبَ الليل والنهار.

كان مرورك على هذه الأرض مرور السحاب المثقل بالبشرى، لا يحلّ بجدب إلا أحاله مروجاً من الحياة النابضة بكل المودات، مرور نسيم الأرز الذي يمنح الحياة عطراً ودفئاً ومحبة. 


يا صديقُ، لم يكن عبورك كبقية العابرين، بل كنت، وستبقى،قامة وطنية أبت الذل والهوان فكنت شاهداً على عصر الانكسارات، ورحلت شهيداً في حلقه غصة زادت مرارتها غربةُ القومية وعذابات العروبة. لقد تركت وراءك إرثاً لا يمحى. 

 

رحمك الله، وأكرم نُزلك، وجعل جنانَ الخُلد مثواك. لروحك الرحمة ولأسرتك ومحبيك اعظم العزاء

 

 

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

زر الذهاب إلى الأعلى