أخبار

14 شباط: قراءة في تحولات ‘الدور’ وتحديات الأرقام

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

 غفران عبد الكريم جنيد

 

 

 

تمرُّ ذكرى الرابع عشر من شباط هذا العام بينما يرزح لبنان تحت وطأة أزمة يصنفها البنك الدولي كواحدة من أشد ثلاث أزمات اقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. بعيداً عن الانقسام السياسي التقليدي، تفرض الوقائع الراهنة نفسها كمرآة تعكس أزمة “هوية وظيفية” يعاني منها لبنان، حيث تظهر المقارنة بين الأمس واليوم فجوةً لم تكن في الحسبان.
أولاً: انكماش الدولة وتلاشي المركز:
الحقيقة التي لا تخطئها الأرقام هي أن لبنان انتقل من كونه “مركز ثقل” إقليمياً إلى دولة تصارع للبقاء على الهامش. فبينما وصل الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في سنوات الاستقرار والنمو إلى نحو 55 مليار دولار، تشير تقارير المرصد الاقتصادي للبنانWorld Ban) ) إلى أن هذا الناتج انكمش بنسبة تزيد عن 58%، ليهوي إلى ما دون الـ 20 مليار دولار. هذا الرقم لا يعكس تراجعاً اقتصادياً فحسب، بل يعكس فقدان الدولة قدرتها على تمويل احتياجاتها الأساسية.

ثانياً: من الاستثمار إلى العزلة
كان الرهان في مرحلة “لبنان الإعمار” قائماً على جذب رؤوس الأموال الخارجية كعصب للنمو. وبحسب بيانات الأونكتاد UNCTAD) ) حول الاستثمار العالمي، كان لبنان يمثل وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI) ) بمليارات الدولارات سنوياً.
أما اليوم، فالواقع الرقمي يتحدث عن جفاف شبه كامل في هذه التدفقات. وبدلاً من استقطاب العقول والاستثمارات، تحول لبنان -وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي (IMF) وإدارة الإحصاء المركزي- إلى بيئة طاردة نتيجة التضخم المفرط (Hyperinflation) الذي تجاوز عتبة الـ 190% في بعض القطاعات، مما أدى إلى تآكل الطبقة الوسطى التي كانت تاريخياً صمام الأمان للاستقرار الوطني.
ثالثاً: تفكك المؤسسات وغياب”المشروع”
يكمن الفارق الجوهري بين مرحلة رفيق الحريري والواقع الراهن في مفهوم “إدارة الدولة”. تميزت تلك الحقبة بوجود “مشروع” واضح المعالم، مهما كثرت النقاشات حول جدواه أو مديونيته، إلا أنه كان يؤمن حداً أدنى من انتظام المؤسسات.
نحن اليوم أمام ترهل إداري وصل إلى حد الشلل في المرفق العام، وتراجع كارثي في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية EGDI) ) الصادر عن الأمم المتحدة، حيث تحولت الخدمات الأساسية كالكهرباء والاتصالات من رافعة للاقتصاد إلى عبءٍ يستنزف ما تبقى من مدخرات اللبنانيين.
في الخلاصة نقول؛ إن استعادة ذكرى 14 شباط اليوم بمرآة الأرقام والمراجع الدولية، تفرض اعترافاً بأن المشكلة تتجاوز الأشخاص لتطال “النهج”. لبنان اليوم بحاجة ماسة لاستعادة “منطق الدولة” الذي يغلب المصلحة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي على صراعات المحاور.
فالحقيقة التي يواجهها اللبنانيون اليوم هي أصدق إنباءً من أي خطاب؛ فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالرؤى الواقعية والقدرة على الانخراط في الاقتصاد العالمي. إن الوفاء الحقيقي لأي مشروع وطني يبدأ من اعتماد معايير الشفافية والمحاسبة الدولية، وهي الطريق الوحيد لخروج لبنان من “القوائم الرمادية” إلى رحاب التعافي.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى