أخبار

حين يضمّد الحب ما لا يُقال

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

ناهيا أبو إبراهيم – خبيرة علاقات زوجية وتنمية ذاتية

 

 

الحب الذي يضمّد الجروح ليس ذاك الذي يلمع في الكلام ثم يتلاشى عند أول اختبار، بل ذلك الذي يحمل قدرة صامتة على الترميم. حين قال شارل بودلير عن المرأة التي يحبها إنها “تُضمد الجروح التي في عقلي”، لم يكن يمدح فصاحتها، بل حضورها الآمن، ذاك الذي يلمس الألم من دون أن يفتحه، ويعيد ترتيب الداخل من دون ضجيج، ويمنح العقل هدنة من صراعاته. فالحب لا يُضاف إلى الحياة كزينة، بل يُعيد تشكيلها من العمق، لأن الإنسان حين يُرى كما هو، يهدأ.
الحب في جوهره ليس عاطفة تستهلكها اللحظة، بل حاجة أصيلة كالحاجة للأمان والانتماء. وكل علاقة تخلو من الاحتواء، مهما لبست من شعارات، تتحوّل مع الوقت إلى عبء نفسي. لأن ما يمنح الحب قيمته ليس وجود العاطفة وحدها، بل شعورك بأنك لست بحاجة إلى أن تشرح ألمك كي يُفهم، ولا أن تُثبت نفسك كي تُقبل.
من واقع عملي مع الأزواج، أدرك أن غالب الخلافات لا ينشأ من نقص الحب، بل من غياب الاحتواء. فالاحتواء هو أن أراك في ضعفك، أن أسمع ما خلف كلماتك، أن أفهم الانفعال كاستغاثة أحياناً، والصمت كحماية لا برود. المرأة لا تحتاج رجلًً “يحلّها”، بل رجل يُشعرها أن ألمها ليس عبئاً. والرجل لا يحتاج من تشرح له ذاته، بل من تحتوي تعبه وتؤمن بصراعه من دون أن تحوّله إلى مشروع إصلاح دائم.

 

الاحتواء يُسقط الأقنعة. فكما قال مارتن بوبر: “العلاقة الحقيقية هي التي يُسمح فيها للإنسان أن يكون على طبيعته من دون دفاع”. لأن الدفاع المستمر استنزاف، والتفاهم والحنية وحدهما يحوّلان الخلاف من تهديد إلى حوار. الحنية ليست ضعفاً، بل لغة جسد وعقل تقول للداخل: أنت آمن.
وفي التفاصيل اليومية، يتجلّى عمق الحب أكثر ما يتجلّى في الكلمات الكبيرة. أن تفتح يدك وقت انغلاق الآخر، أن تصمت حين يكون الصمت احتواءً لا انسحاباً، أن تُبقي نبرة صوتك دافئة حتى في لحظات الاختلاف، وأن تُدير لحظة الغضب كما لو كنت تحمي قلب الآخر من جرح جديد… هذه كلها ممارسات صغيرة، لكنها تُراكم داخل الشريك ذاكرة أمان. الحب الواعي لا يُقاس بكم مرّة قلنا “أحبك”، بل بعدد المرات التي جعلنا فيها من اختلافاتنا فرصة لنفهم لا لنكسر، ولنقترب لا لننسحب.
وما يُهمل كثيراً في ثقافة العلاقات الحديثة هو أن الاستقرار لا يُبنى على الحماسة فقط، بل على مهارات شعورية دقيقة: مثل الإصغاء التام، القدرة على قول “لا” من دون إيذاء، طلب الدعم من دون خجل، والاعتذار من دون تهديد للكرامة. هذه المهارات لا تُولد مع الإنسان، بل تُبنى بالتدرّج، وغالباً ما يعلّمها الحب الآمن حين لا يتحوّل إلى مساحة محاكمة. ففي العلاقات الواعية، نحن لا نبحث عن “شريك مثالي”، بل عن شريك لا يخجل من أن يتعلّم كيف يكون أكثر رفقاً، وأكثر حضوراً، وأكثر قدرة على الإصلاح حين يخطئ.
هذا النوع من الحب لا يقتصر أثره على الشريكين فحسب، بل ينسحب على الأطفال. فالأب الذي يحتوي أمهم، والأم التي تفهم أباهم، يُنشِئان بيئة يتعلّم فيها الطفل أن المشاعر لا تُهان، وأن الخلاف لا يعني التهديد، وأن الحب لا يتطلّب قناعاً. بينما غياب هذا الأمان، أو الجفاف العاطفي، يترك في الطفل ندبةً يجرّها إلى علاقاته المستقبلية من دون وعي، ويكرر ما اعتاد رؤيته لا ما تمنى أن يعيشه.
وحين قال إريك فروم إن الحب ليس شعوراً بل ممارسة يومية، فهو يضع نقطة فاصلة بين الحب كحالة وبين الحب كاختيار. المشاعر قد تأتي وتذهب، لكنها لا تكفي لبناء بيت آمن. الممارسة هي التفاصيل التي لا يراها الغرباء: طريقة الإصغاء، أسلوب الرد، احترام الضعف، الاعتذار عند الخطأ، التوقف عن السخرية، عدم استخدام الأسرار كسلاح، حماية الكرامة في لحظة غضب. هذه الممارسة هي الإرث النفسي الحقيقي الذي نتركه لأطفالنا، لأنهم يرثون ما نعيش أكثر مما يرثون ما نقول.
الحب كطريق للشفاء لا يعني أنه ينقذنا من جروحنا، بل يعني أنه يرافقنا ونحن نداويها. الحب الحقيقي لا يقول: تعال كي أكملك، بل يقول: تعال كي تنمو. لا يبحث عن الكمال، بل عن الصدق. لا يلغي الفرد، بل يوسّع حضوره مع نفسه. وحين يقول جبران خليل جبران إن المحبة لا تعطي إلا ذاتها ولا تأخذ إلا من ذاتها، فهو يصف علاقة نضج لا علاقة تعلق، علاقة نمو لا علاقة امتلاك. المحبة هنا ليست قبضة، بل اتساع، وليست مراقبة، بل ثقة، وليست اختباراً دائماً للولاء، بل بناء مستمر للأمان.
وربما، في عيد الحب، أو في أي لحظة صدق مع الذات، يكون أجمل احتفال لا وردة ولا هدية، بل سؤال داخلي شجاع: هل أنا ملاذ أمان لمن أحب؟ هل أُضمّد ما لا يُقال… أم أضيف إليه؟ لأن الحب حين يكون واعياً، لا يُرهق ولا يستنزف، بل يُهدّئ ويُرمّم، يعلّم الإنسان أن القرب ليس فخاً، وأن الضعف ليس سبباً للرفض، وأن العلاقة ليست مكاناً لزيادة الجروح، بل مساحة حقيقية كي تُشفى.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى