
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
“فَلْيقصفْها بلا هوادة كي يبدو قوياً”.
سيُعذر المرء إذا ظنّ أن هذا الكلام صادر عن مسؤول في إدارة الرئيس دونالد ترامب أو في الحكومة الإسرائيلية الحالية، وسط “ديبلوماسية العصا الغليظة” مع طهران. لكن هذه النصيحة أقدم بكثير من اللحظة الراهنة. الأخطر، أنها نجحت.
عن المزاج الأميركي
يساهم احتساب ترامب لتداعيات قصف إيران على شعبيته في بلورة خطواته الحالية والمستقبلية. بما أن القصف غير مضمون النتائج، تبدو المفاوضات الخيار الأفضل. لكن ذلك لا يعني أنها الخيار الوحيد. سبب ذلك أن احتمال نجاح القصف ليس منعدماً هو الآخر. الإشكالية هي في كيفية قراءة الناخب الأميركي لهذا “النجاح”.
في البداية، تستند قراءة المزاج العام الأميركي لضربة محتملة على إيران إلى ما سبق أن عبّرت عنه استطلاعاتٌ للرأي تلت “مطرقة منتصف الليل”. في 14 تموز/يوليو، صدر استطلاع عن جامعة هارفارد بالتعاون مع مؤسسة هاريس وجد أن 58 في المئة من الأميركيين أيدوا الضربة، بينما عارضها 42 في المئة. في كانون الأول/ديسمبر، صدر استطلاع آخر عن “مؤسسة رونالد ريغان” أشار إلى أن 60 في المئة من الأميركيين وافقوا على الضربة.
مؤيدون للرئيس دونالد ترامب (2024 – أب)
وثمة استطلاع أجرته “إيكونوميست” بالتعاون مع “يوغوف”، بين 19 و23 حزيران، أي قبل وبعد الضربة الأميركية. كانت نتيجته أن 29 في المئة قالوا إنه يجب على الجيش الأميركي قصف إيران بينما عارض 46 في المئة ذلك. كان الباقون غير واثقين.
خلاصة الاستطلاعات الثلاثة أن الأميركيين يكوّنون الجزء الأكبر من رأيهم بعد القصف لا قبله. يصعب أن يكون الفرق في تأييد الضربة بين استطلاعي “إيكونوميست” و”مؤسسة ريغان” – أكثر من 30 نقطة مئوية – مجرد اختلاف في منهجية الاستبيان. إذاً وبشكل منطقي، بل حتى تاريخي، يكون الأميركيون ميّالين للحذر قبل الضربة العسكرية، ثم ميالين أكثر للتأييد إذا لم تحمل ارتدادات سلبية.
ماذا عن معنى النجاح والقوة؟
كان لجيفري فريدمان، مؤلف كتاب “اختبار الرئيس: الرأي العام وسياسات صناعة الصورة في السياسة الخارجية الأميركية” شرحٌ وافٍ لمقاربات الشعب الأميركي في هذه النقطة.
في “فورين أفيرز”، كتب فريدمان أن استطلاعات الرأي أظهرت باستمرار قلة أميركية مؤيدة للقوة العسكرية ضد صربيا. لكن المستشار ديك موريس دعا الرئيس الأسبق بيل كلينتون إلى قصف صربيا “بلا هوادة حتى يبدو قوياً”. ومع أن 60 في المئة من الأميركيين عارضوا نشر الجيش في البوسنة، ارتفع تأييد السياسة الخارجية لكلينتون.
وكي يبدو الرئيس قوياً ينبغي ألا يكتفي بشن الهجوم بل أن يحقق أهدافه أيضاً. لهذا السبب، دعم الأميركيون جورج بوش الابن في انتخابات 2004 بالرغم من الإخفاق في العراق. فمنافسه جون كيري بدا متردداً في تأييده سحب الجنود بعدما دعم الحرب أولاً.
بحسب فريدمان أيضاً، تحتمل النظرة إلى عدد الضحايا الأميركيين في الحروب أكثر من معيار. سقط 19 جندياً أميركياً في اجتياح غرينادا سنة 1983، و19 جندياً في الصومال سنة 1993. مع ذلك، ارتاح الأميركيون للعملية الأولى واستاؤوا من الثانية، لأنها فشلت.
ماذا يعني ذلك لخيار الضربة المحتملة؟
انطلاقاً من الحسابات أعلاه (ومن غيرها أيضاً)، واضح أن ترامب يميل إلى الابتعاد عن ضربة ثانية لإيران. بما أن الضربة ستكون محدودة على الأرجح، سيخرج النظام الإيراني بصورة المنتصر. لا يستطيع ترامب تحمّل هذه النتيجة، خصوصاً أن الشعب الأميركي سيشعر بهزيمة بلاده. حتى لو اغتال ترامب كبار القادة الإيرانيين، أو اعتقلهم على الطريقة الفنزويلية، فسيكون عليه التأكد من عدم انزلاق إيران إلى الفوضى والاقتتال.
إيرانيون يحتفلون بذكرى ثورة 1979 (أ ب)
في الواقع، قد يكون استنساخ عملية “الحزم المطلق” في إيران أفضل خيار لترامب، طالما أن بإمكانه استنساخ أيضاً صفقة شبيهة مع “الحرس الثوري”. لكن لأسباب عدة، من ضمنها تردد ترامب نفسه، من المرجح أن يكون “الحرس الثوري” غير متقبل لإبرام اتفاق كهذا.
لا يُترجم كل ذلك بانعدام احتمال تجدد الضربة. فالنجاحان، الكبير في فنزويلا والنسبي في إيران (بداية الصيف الماضي)، قد يمنحان ترامب جرأة إطلاق حملة عسكرية جديدة. لكن الاحتمالات لا تزال تصب في مصلحة الديبلوماسية، وقياس الرأي العام الأميركي يدعم تلك الاحتمالات، وإن كان دعماً قابلاً للتأرجح.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
