أخبار

‘أنصار الشريعة’ الليبي تحت الضّغط الأميركي: محاكمة البكوش لن تكون الأخيرة؟

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

ضيّقت الولايات المتحدة الخناق على تنظيم “أنصار الشريعة” الراديكالي الليبي، الذي قاد اقتحام القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي عام 2012، بعدما فتحت ملف القضية على مصراعيه مجدداً. وأظهرت تمسكها بتسليم منفذي الهجوم الذي أودى بحياة سفيرها كريس ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين، ما يضع سلطة العاصمة الليبية في موقف لا تُحسد عليه، إذ إن قيادات التنظيم المرتبط بـ”القاعدة” تصاعد حضورهم خلال العقد الأخير، تحت راية “ثوار بنغازي”، وبات لهم نفوذ لدى دوائر صنع القرار.

 

ونشرت السلطات الأميركية صور 29 ليبياً من تسجيلات كاميرات مراقبة خلال عملية اقتحام المجمع الديبلوماسي الأميركي وملحق تابع لوكالة المخابرات المركزية في بنغازي، وطالبت الليبيين بتزويدها بمعلومات بشأنهم، غداة إعلان واشنطن القبض على الزبير البكوش المتهم بالضلوع في الهجوم عام 2012، فيما كشفت عائلة الأخير أن أجهزة أمنية تتبع حكومة العاصمة الليبية اعتقلته في مدينة مصراتة (غرب ليبيا) قبل يومين من تسليمه إلى واشنطن.

 

ويواجه البكوش ثماني تهم، بينها “التآمر لتوفير دعم مادي وموارد إلى الإرهابيين، ما أفضى إلى وفاة أربعة أميركيين بينهم السفير ستيفنز”، وفق لائحة اتهامات نشرتها وزارة العدل الأميركية مع بدء محاكمة البكوش، الذي “كان عضواً في تنظيم أنصار الشريعة، وضمن مجموعة من 20 مسلحاً اقتحموا البوابة الرئيسية للمجمع الديبلوماسي الأميركي”، وفق الوزارة.

 

ولم يكن للبكوش (56 عاماً) أي حضور في المشهد الليبي خلال عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، لكن دوره بدأ يتصاعد مع أحداث شباط/فبراير 2011، عندما انضم إلى ميليشيات “أبو عبيدة ابن الجراح”، التي ارتبطت بحوادث اغتيال عدة من بينها أول رئيس أركان بعد القذافي، اللواء عبد الفتاح يونس، قبل أن يغادر بنغازي في أعقاب انطلاق ما يُعرف بـ”عملية الكرامة” التي نفذتها قوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر في الفترة بين عامي 2015 و2016، ليتجه إلى مصراتة ويبدأ ممارسة أنشطة تنظيم معسكرات كشفية، تربطها أوساط ليبية بعمليات استقطاب الشباب للانخراط ضمن الجماعات المسلحة الراديكالية.

صعود جماعة “أنصار الشريعة”
وبعد سقوط نظام القذافي، تأسست جماعة “أنصار الشريعة” في بنغازي منتصف عام 2012، وضمت محكومين بالمؤبد والإعدام لارتباطهم بتنظيمات محسوبة على “القاعدة”، قبل أن يفرّوا عقب أحداث شباط 2011 من سجن أبو سليم، وفق الباحث السياسي عبد الله الغرياني الذي واكب الأحداث، لافتاً إلى أن “وتيرة صعودها كانت سريعة جداً، وبعد تأسيسها بشهور قليلة بدأت في تنفيذ عمليات اغتيال طالت قيادات أمنية وعسكرية بينهم اللواء يونس”.

 

ويروي الغرياني، لـ”النهار”، تفاصيل الهجوم على القنصلية الأميركية، الذي تزامن مع الذكرى الحادية عشرة لهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وبدأ بدعوات للتظاهر انطلقت من قلب بنغازي وتوجهت إلى مقر القنصلية مع الساعات الأولى من الليل، لكن الاحتجاجات تحولت إلى إلقاء القنابل اليدوية. دارت بعدها مناوشات مع عناصر التأمين الليبي، قبل أن تحضر قيادات “أنصار الشريعة” مع تأزم الأمور، وانضمت لهم بعدها كتيبة “أبو عبيدة ابن الجراح”، لتندلع مواجهات خلصت إلى وفاة السفير الأميركي مختنقاً بعد إضرام النار في فيلا احتمى داخلها.

 

وكانت السلطات الأميركية قد اعتقلت المتهم الأول في القضية أحمد أبو ختالة عام 2014، كما أوقفت المتهم الثاني في الهجوم مصطفى الإمام عام 2020، وفق الغرياني الذي أصيب برصاص “أنصار الشريعة” خلال تظاهرة مناوئة لسيطرتهم على مدينته عام 2013.

متابعة أميركية… وقائمة طويلة
ويعتقد الغرياني أن إدارة الرئيس دونالد ترامب “تتعامل بجدية مع ملاحقة قائمة طويلة من المتهمين في القضية”، لافتاً إلى أن “كاميرات المراقبة داخل مقر القنصلية التقطت صور المهاجمين، وهناك معلومات تلقتها السلطات الأميركية من أبو ختالة والإمام، بالإضافة إلى إفادات أعضاء في أنصار الشريعة موجودين في تركيا ويخضعون لقانون حماية الشهود”. لكنه يشير إلى أن “ثمة صعوبات في الوصول إلى قائمة المطلوبين بعد هذه السنوات، من بينها تغيير بعضهم هوياته الوطنية ووثائقه الثبوتية مستغلين الفراغ الأمني”.

 

ويرجح أن تسلم حكومة العاصمة برئاسة عبد الحميد الدبيبة “المطلوبين لدى واشنطن لضمان بقائها في السلطة، لكنها لن تستطيع الإعلان عن ذلك لأن لديها تحالفات مع هذه الجماعات والتي تحظى أيضاً بدعم وغطاء من المفتي المعزول الصادق الغرياني”.

 

ويرى الباحث في الشؤون السياسية والأمنية أسامة الشحومي، في حديثه مع “النهار”، أن “ملف هجوم بنغازي دخل مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة. فما يجري اليوم جزء من استراتيجية أميركية طويلة تهدف إلى تفكيك الشبكات الإرهابية العابرة للحدود، وعدم الاكتفاء بمحاسبة المنفذين المباشرين”، معتبراً أن تسليم البكوش “يؤكد أن الملف أُعيد فتحه عملياً، مع انتقال التركيز على الشبكة، ومنظومات الدعم والتمويل والتغطية السياسية. وهو ما يضع تحدياً مباشراً أمام واقع أن بعض المشتبه فيهم لا يزالون مرتبطين بدوائر نفوذ داخل طرابلس، سواء عبر أجهزة رسمية أو غطاء سياسي وديني”.

 

صور نشرها مكتب التحقيقات الفيدرالي لمتهمين باقتحام القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012. (موقع الـ أف بي آي)

 

التسليم الانتقائي والتحديات القانونية
ويلفت الشحومي إلى أن تسليم البكوش “يندرج في إطار أن الحكومات الهشة تميل إلى تقديم أقل الأثمان كلفة لتخفيف الضغط الخارجي عليها، فالرجل عنصر ثانوي بلا نفوذ سياسي حقيقي وبلا غطاء قبلي أو عسكري مؤثر، وهذا لا يعني أن الحكومة قادرة أو راغبة في تسليم الأسماء الثقيلة المرتبطة بشبكات أوسع أو بتيارات نافذة”، مرجحاً أن “تستمر سياسة التسليم الانتقائي ما لم يتحول الضغط الأميركي إلى مستوى عقوبات مباشرة أو ملاحقات مالية وقانونية”.

 

أما أستاذ القانون في الأكاديمية الليبية للدراسات العليا الدكتور مجدي الشبعاني فيوضح، لـ”النهار”، أن القانون الأميركي يمنح محاكمه اختصاصاً في بعض الجرائم الواقعة خارج أراضيه، خاصة تلك المرتبطة بالإرهاب أو استهداف مواطنين أميركيين. لكن هذا الاختصاص لا يلغي أولوية القضاء الليبي، ويجب أن يظل التسليم عبر القنوات الرسمية القانونية كشرط أساسي لضمان شرعية الإجراءات وتجنب المساس بمبدأ السيادة.

 

ويضيف الشبعاني أن أي عملية تسليم “ينبغي أن تتم في إطار قانوني واضح وشفاف، لأن غياب هذا الإطار قد يثير جدلاً داخلياً ويمس ثقة الرأي العام في مؤسسات العدالة”، مطالباً السلطات بـ”إدارة الملف بتوازن دقيق، مع تأكيد اختصاص القضاء الوطني، ومكافحة الإفلات من العقاب من دون التفريط في السيادة، واعتماد قدر عالٍ من الشفافية مع الرأي العام”. ويؤكد أن القضية “لا تتعلق بالبُعد الجنائي فقط، بل تمس مكانة الدولة وهيبة مؤسساتها”.

 

وأدانت منظمات حقوقية ليبية، في مقدمتها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، تسليم البكوش للولايات المتحدة، معتبرة أن “الولاية القضائية في حادث الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي تعود للقضاء الليبي”، وفق مدير المؤسسة أحمد حمزة.

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى