أخبار

14 شباط: استنهاض المشروع النهضوي في مواجهة الواقع المستجد

نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.

زياد سامي عيتاني

 

 

 

تحلّ ذكرى الرابع عشر من شباط هذا العام، ولبنان يقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل ذكريات الفقد الأليم مع ضرورة البحث عن مخارج وطنية للأزمات المتراكمة. إنها الذكرى التي لم تعد تكتفي باستحضار الماضي، بل أصبحت محطة سنوية لاستقراء “الفكرة” التي استُهدفت باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفرصة للتأمل في مشروع نهضوي ظل حياً وقابلاً للتجدد رغم غياب صاحبه.
ففي مثل هذا اليوم من عام 2005، لم يُغتل رجل فحسب، بل استُهدفت رؤية استراتيجية متكاملة كانت تطمح لبناء لبنان حديث، مزدهر، ومؤثر في محيطه.
•هندسة النهضة وبناء الجسور
لم يكن مشروع رفيق الحريري مجرد خطة إعمار تقليدية، بل كان فلسفة سياسية قامت على دمج الاقتصاد بالدبلوماسية لصالح السيادة الوطنية. قاد الحريري معركة إعادة إعمار لبنان وتأسيس الدولة ومؤسساتها، بعد حرب أهلية طاحنة، محولاً الوطن من ركام وخطوط تماس إلى مركز إقليمي متألق للريادة على الصعد كافة.

كان يدرك أن إعادة “النبض” إلى قلب بيروت هو الرسالة الأقوى للعالم بأن لبنان قد استعاد عافيته. فأعاد بناء مطار بيروت الدولي ليكون بوابة لبنان على العالم، ومدّ شبكة طرقات سريعة حديثة ربطت أطراف الوطن، وعزز القطاع المصرفي ليكون الأقوى في المنطقة. ولأن رؤيته لم تتوقف عند الحجر، كان “الإنسان” هو الثروة الحقيقية في حساباته. آمن بأن التعليم هو النفط الحقيقي للبنان، فأنشأ “مؤسسة الحريري” التي أطلقت أكبر ورشة تعليمية في تاريخ المنطقة، حيث قدمت آلاف المنح الدراسية للشباب اللبناني في أرقى جامعات العالم دون تمييز طائفي أو مناطقي. كان هدفه بناء “جيل من المتعلمين” يمتلكون مهارات العصر، ليعودوا ويشكلوا العمود الفقري للإدارة الحديثة والاقتصاد المتطور.
•عبقرية الدبلوماسية وتوظيف العلاقات
ما ميز الشهيد كان قدرته الفذة على تحويل علاقاته الشخصية المتينة مع كبار قادة العالم إلى “شبكة أمان” وطنية غير مسبوقة. لم يكن يبني الجسور مع باريس والرياض وواشنطن وموسكو من أجل نفوذ شخصي، بل سخر هذا الثقل الدولي لجذب الاستثمارات وتأمين مظلة حماية للبنان في أحلك الظروف. من “تفاهم نيسان” الذي حمى المدنيين، إلى مؤتمرات “باريس” التي ضخت الأوكسجين في شرايين الاقتصاد، وظّف الحريري موقعه ليجعل من لبنان “ضرورة دولية” ورقماً صعباً في معادلة الاستقرار الإقليمي، محولاً إياه من ساحة لتصفية الصراعات إلى ملتقى للمصالح الإيجابية والتعاون الحضاري.
•المبادئ أساس لإحياء المشروع
إن المطلوب اليوم، ونحن نمر في أصعب أزمة وجودية، ليس الانكفاء على الذاكرة، بل العودة الجريئة إلى جذور المبادئ الحريرية التي قامت على الاعتدال كخيار استراتيجي، ومنطق الدولة فوق أي اعتبارات فئوية، والانفتاح على العمق العربي والمجتمع الدولي. هذه المبادئ ليست مجرد إرث تاريخي، بل هي “خارطة طريق” يحتاجها لبنان لاستعادة توازنه المفقود.
المبادرة التحديثية: استنهاض المشروع بروح العصر
إن الوفاء الحقيقي لرفيق الحريري يكمن في امتلاك الشجاعة لتقديم مبادرة تحديثية وتطويرية تحاكي الواقع اللبناني المستجد، وتستجيب للتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة في عام 2026.
هذه المبادرة يجب أن ترتكز على محاور خمسة:
1. الحوكمة والشفافية كشرط ملزم: إن “الحريرية التحديثية” يجب أن تتبنى الحوكمة الرقمية الشاملة كدرع حامٍ للإعمار الجديد. لا نهضة دون إصلاح بنيوي للقضاء، ولا استثمار دون شفافية مطلقة ومحاسبة آلية تنهي زمن المحاصصة والفساد الإداري، وتستعيد ثقة المانحين والمغتربين في مؤسسات الدولة.
2. رقمنة النهضة والاقتصاد المنتج: إذا كان الحريري قد ركز على البنية التحتية المادية، فإن التحدي اليوم هو بناء “لبنان الرقمي”. المبادرة المطلوبة يجب أن تحول لبنان إلى منصة للابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يتناسب مع مهارات الجيل الجديد، وينتقل بالبلاد من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد المعرفة والإنتاج المستدام.
3. الشباب: محرك التغيير وضمانة الاستمرار: المبادرة التحديثية يجب أن تضع الشباب في قلب صناعة القرار. إن استنهاض المشروع يتطلب جسراً مؤسساتياً يربط الطاقات اللبنانية المهاجرة بالداخل، ليس فقط كتحويلات مالية، بل كخبرات عالمية تقود قطاعات الطاقة والنقل والابتكار، تماماً كما فعل الحريري في التسعينات حين استقطب العقول اللبنانية من الخارج.
4. تصفير النزاعات وإعادة التموضع الاستراتيجي: توظيف العلاقات الخارجية اليوم يجب أن ينطلق من رؤية واقعية تحمي لبنان، وتستعيد دوره كمركز للخدمات واللوجستيات في منطقة تشهد نهضة اقتصادية شاملة، ليكون لبنان شريكاً في الازدهار الإقليمي لا عبئاً عليه.
5. إطار مرجعي وقيادي جديد: الحقيقة المرّة التي يجب الاعتراف بها هي أن من أُئتمنوا على متابعة مسيرة الحريري أخفقوا في المحافظة على إرثه الوطني. الخيارات المميتة التي اتُخذت، والانكفاء الملتبس عن الساحة السياسية في أحلك الظروف، وتراكم ملفات الفساد التي تدين أركان المنظومة، كلها عوامل أسهمت في تشويه المشروع النهضوي وتبديد رأس المال السياسي والمعنوي الذي تركه الشهيد.
استنهاض المشروع اليوم يتطلب بناء إطار مرجعي جديد نظيف، يحمل نفس المبادئ لكن بوجوه جديدة وأيدٍ نظيفة، قادرة على استعادة الثقة الشعبية وتجسيد القيم الحقيقية التي آمن بها الحريري: النزاهة، الكفاءة، والوطنية فوق كل اعتبار.
السيادة شرط النهضة
لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح دون بسط سيادة الدولة الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية واحتكارها الشرعي لقرار السلم والحرب. رفيق الحريري آمن بأن لبنان القوي هو لبنان المستقر الذي تحميه مؤسساته لا الميليشيات، وأن الازدهار الاقتصادي يتطلب بيئة آمنة يحكمها القانون وحده. استنهاض مشروعه اليوم يستدعي الشجاعة لاستكمال بناء الدولة القادرة على حماية مواطنيها وفرض هيبتها، لأن السيادة ليست شعاراً سياسياً بل شرط وجود.
من الذكرى إلى الفعل
إن ذكرى 14 شباط هي صرخة لليقظة الوطنية. رفيق الحريري لم يمت ليبقى صوراً في المناسبات، بل ليكون دافعاً مستمراً للتجدد والنهوض. إن استنهاض مشروعه اليوم هو “فعل إيمان” بقدرة لبنان على الانبعاث من جديد من وسط الركام. الوفاء الحقيقي يكون بترجمة مبادئه إلى واقع، عبر مشروع وطني جامع يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويؤمن بأن لبنان، مهما اشتدت به الأزمات، يمتلك في جينات أبنائه والروح الحريرية القدرة على صنع المعجزات.​​​​​​​​​​​​​​​​

ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى