
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
دعا الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى أن يكون اليوان (الرنميني) عملة للاحتياطيات النقدية العالمية، الأمر الذي يعكس طموحه لأن تلعب الصين دوراً أكبر في النظام النقدي الدولي.
ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، عن شي، في تعليق كتبه في صحيفة “تشيوشي”، أبرز الصحف التابعة للحزب الشيوعي الحاكم في الصين، إن بلاده بحاجة إلى “عملة قوية يمكن استخدامها على نطاق واسع في التجارة الدولية والاستثمار وأسواق صرف العملات، وتحظى بمكانة العملة الاحتياطية”.
دعوة شي هذه لم تأت من عدم، ولكنها قرأت ما بين السطور من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ما خصّ سؤاله إن كان يشعر “بالقلق من تراجع سعر صرف الدولار”، وإجابته المفاجئة، إنه أداء “رائع”. فالرئيس الصيني، يعتبر أن العملة الأميركية فقدت صفتها كـ”ملاذ آمن” لأن تكون عملة احتياط دولية، إذ أظهرت دراسة قدمها صندوق النقد الدولي أخيراً، تراجع حصة الدولار من احتياطيات البنوك المركزية من أكثر من 70% عام 2000، إلى أقل من 60% في السنوات الأخيرة، مع توجه عدد متزايد من الدول نحو الذهب والعملات البديلة مثل اليوان الصيني.
تبدو أسواق العملات في مطلع عام 2026 كأنها تدخل مرحلة إعادة تموضع هادئة ولكن عميقة، مع تزايد الرهانات على تراجع الدولار أمام معظم العملات الرئيسية. وفي ظلّ التقلبات الحادة لأسعار المعادن في مؤشر واضح على أن هناك أياد “صينية” خفية من التعمد في إحداثها في سعي واضح عبر إدخالها لعبة المضاربات، الأمر الذي يخلق هاجساً عن المستثمر للابتعاد عن شرائها، ليطرح السؤال هل سيكسب اليوان ثقة المستثمرين واعتماده عملة احتياط رئيسية؟
استغلت واشنطن، الدولة التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية، “الإنهاك” الاقتصادي الذي أصاب العالم، بعد 4 سنوات من حرب تدميرية تركّزت بمعظمها في أوروبا. واعتماد أوروبا ساحة للحرب، لم يكن قدراً، بل في الكواليس يحمل قراراً أميركياً، يهدف إلى ضرب النظام العالمي القائم على فكرة الانتداب الفرنسي والبريطاني، على أن يتمّ عبرها هيمنة أسطورة “الجنية الإسترليني”، ونقل الثقل الاقتصادي والمالي من لندن إلى نيويورك.
لم تكتف واشنطن بهذه الإجراءات، بل ذهبت بعيداً في تبديل مفهوم المجموعات الدولية، مستبدلة “عصبة الأمم” بـ”هيئة الأمم”، لتجعل من نفسها الدول المؤثرة الأولى في مراكز القرار الدولية. لهذا، وانسجاماً مع التطلعات الأميركية في “قولبة” النظام الدولي، عقدت اتفاقية “بريتون وودز” بتاريخ 22 تموز/ يوليو 1944، بحيث ثبتت عملات أجنبية في مقابل الدولار، وحدد الدولار بسعر 35 دولاراً في مقابل أوقية من الذهب. كان الهدف من هذه الاتفاقية هو تأسيس استقرار مالي دولي بمنع تبادل العملات بين البلدان والحدّ من المضاربة في العملات الدولية. لكنّ ترجمته على صعيد النظام الدولي، أعطى الولايات المتحدة سيطرة نقدية عالمية من خلال فرضها للعقوبات على كل من يعارض سياساتها ومصالحها عالمياً.
من ينظر بهدوء إلى تصرفات الإدارة الأميركية، بقيادة ترامب، يدرك أن هناك انقضاضاً واضحاً على القوانين الدولية، وتجاهلاً أكيداً للمؤسسات الدولية، فالرجل أصدر أمراً تنفيذياً بخروج بلاده من 66 مؤسسة دولية، شكلت واشنطن عمودها الفقري. لا يكتفي ترامب بمشهدية الفوضى الدولية، لكنّه يعمد أيضاً إلى تطويق الصين، من خلال إيجاد سلسلة من التوترات تبدأ من بحر الصين الجنوبي ولا تنتهي بطلب السيطرة على قناة بنما، بل أسقط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، الحليف المتين لبكين. وها هو اليوم يحشد ترسانته العسكرية حول إيران لتفعيل “ديبلوماسية السفن” بحيث يعمد إلى تطويق صادرات إيران النفطية التي احتلت المرتبة الأولى في التصدير نحو الأسواق الصينية.
تنافس أميركي صيني واضح، لا يخلو من خطر الانزلاق نحو مواجهة مباشرة بين البلدين، خصوصاً أن “المماحكات” أصبحت في مناطق تصنفها إحدى الدولتين، منطقة الخطر، حيث تطاول أمنهما القومي. لكنّ تأثير هذا التنافس يشعر به دول العالم، التي باتت على مسافة واحدة من الاصطفاف العمودي، بين سياسات الصين اللطيفة أو الخوف من التهديدات الترامبية، وما يحدث في منطقة الشرق الأوسط إلا دلالة على تلك الارتجاجات للصراع الدولي.
من المبكر الحديث عن تنظيم مؤتمر نقدي دولي برعاية صينية. وأن يدعو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الدول الأوروبية إلى تسريع “أجندة الاستقلال عن أميركيا”، ليس بالدعوة التفصيلية. بل دعوة تبنى عليها الصين، وتفتح أبوابها لاحتضان الحالة الأوروبية الضائعة، وقد تذهب بعيداً لتقدم إليها “خطة مارشال” بنموذج صيني، لإحيائها.
لن تخوض الصين حرباً عالمية ثالثة لتهيئة الظروف المناسبة لقيام مؤتمر بريتون وودز بالنسخة الصينية، لكنّها تنتظر لحظة سقوط “النسر الأميركي”، في الوقت الذي يقوم فيه تنينها ببناء علاقات دولية متينة تجعل منها مصدر ثقة ومرحباً فيها بين دول العالم. لكنّ هذا لا يعني أنّ “الطريق والحزام” معبّد أمام شي، فالمخاطر تتعدى الأميركي لتدخل في صميم التفكير الغربي الذي لا يتقبل صعود دولة من خارج العرق الأبيض، لتسلم دفة القيادة العالمية. لهذا كانت محاربة روسيا زمن الاتحاد السوفياتي واليوم بنسختها روسيا الاتحادية، إلا أن الترامبية تُدخل السياسة الأميركية في دوامة “القلق الحضوري” على مسرح السياسة العالمية، فهل هذا كاف للصين للدعوة نحو مؤتمر نقدي؟
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.