
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
*كريمة دغراش
في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً في تونس، أودع 23 نائباً مجلس النواب مبادرةً تشريعيةً، تركّز على تشديد مكافحة القمار وألعاب الحظ، خصوصاً الإلكترونية منها. وقد جرت إحالة هذا المقترح إلى لجنة التشريع العام لمواصلة دراسة تفاصيله وتبعاته المحتملة على المجتمع والقانون التونسي.
فلسنوات طويلة، كانت ظاهرة القمار الإلكتروني هامشية في تونس، ثم أصبحت – في الأعوام الأخيرة – جزءًا ملحوظًا من المشهد الرقمي، خصوصًا بين فئات الشباب.
تذهب تقارير محلية إلى أن تونس تحتلّ المرتبة الـ 33 من مجموع الـ 247 دولة في الرهان الإلكتروني، وتضخّ السوق التونسية نحو 300 مليون دولار في مجال القمار الإلكتروني؛ وهو ما يعمّق الأزمة الاقتصادية الحادّة، التي تشهدها البلاد، ويُضعف احتياطي العملة الأجنبية لديها.
لقد انتهى إدمان القمار الإلكتروني بنجم الدين إلى الطلاق. ويقول الموظف التونسي البالغ من العمر 39 عاماً إن زوجته قرّرت الانفصال عنه، بعد أن بات حبيساً لهاتفه المحمول حيث يمضي أغلب وقته متنقلاً بين منصات القمار الإلكتروني.
ويكشف أنه باع أغلب أثاث بيته أملاً في كسب مبلغ كبير كان يمنّي نفسه بربحه لتعويض أسرته كل ما خسرته. ويعترف بأن زوجته ضاقت ذرعاً بإدمانه، وقررت الانفصال عنه.
يُقرّ المتحدث في شهادته لـ “النهار” بأنه حاول الإقلاع عن ادمانه، حتّى أنه باع هاتفه المحمول، واكتفى بهاتف عادي. لكنه يعترف بأنه لم يستطع مقاومة رغبته في اللعب، فعاد لعادته القديمة أملاً في كسب الثروة التي ستعوضه عن كلّ ما خسره.
تشريع تجاوزه الزمن
رغم أن القانون التونسي الحالي يُقيّد كل أشكال المراهنات، ويجعلها حكراً على الدولة، فإن انتشار المنصات الرقمية العابرة للحدود، التي تسمح بالمراهنة على الرياضة أو ألعاب الحظ عبر الإنترنت، جعل الرقابة التقليدية عاجزةً إلى حد كبير.
قانونياً، تخضع ألعاب الحظ والرهان الرياضي لاحتكار الدولة عبر شركة “برومسبور” الخاضعة للإشراف الرسمي، والتي تُعنى بمسابقة التكهنات الرياضية الأسبوعية.
إلى ذلك، يُجرم القانون أي نشاط خارج هذا الإطار. لكن انتشار القمار الإلكتروني في السنوات الأخيرة عبر منصات وتطبيقات، تستقطب الآلاف من التونسيين من جميع الفئات والشرائح الاجتماعية الباحثين عن الربح السهل، بات ملحوظاً.
بالعودة إلى مشروع القانون المقترح، فإنه يتضمن – وفق ما اطلعت “النهار” عليه – “حظر تنظيم أو إدارة أو المشاركة أو الترويج أو الإعلان عن أيّ نوع من ألعاب الحظ، سواء التقليدية أو الرقمية”، لكنه يفسح المجال لـ “الترخيص الاستثنائي فقط بموافقة صريحة من السلطة المختصة، وفق شروط صارمة لمكافحة الإدمان وحماية القصر”.
كما يحظر “إنشاء أو إدارة أو الترويج أو الإعلان عن منصات القمار الرقمية، ويُلزم مزود خدمات الإنترنت والدفع الإلكتروني باتخاذ التدابير اللازمة لمنع أي نشاط قمار محجور”.
جريمة منظمة
رغم أن المبادرة التشريعية أثارت جدلاً واسعاً، حيث اعتبر عدد من النواب أن هناك قضايا أهم يجب الالتفات إليها، تهدف المبادرة التشريعية الجديدة إلى إعادة تعريف ظاهرة الإدمان الإلكتروني وتجريمه، وفق ما أكّدته النائبة في البرلمان التونسي فاطمة المسدي.
وتقول المسدي، وهي واحدة من النواب الذين تقدّموا بالمقترح التشريعي الجديد لـ “النهار”، إن القانون المعتمد حالياً لمكافحة ظاهرة القمار يعود إلى عام 1974، وتعتبر أنه لا يمكن مكافحة ظاهرة جديدة بقانون تجاوز عمره الـ 50 عاماً.
ووفق المسدي، فإن القانون الجديد يواكب التطورات التي عرفتها هذه الظاهرة، خصوصاً بالنسبة إلى القمار الإلكتروني، الذي تؤكّد أنه بات مثله مثل المخدرات آفة تنخر المجتمع التونسي، وتسبّب العديد من المآسي العائليّة.
وتقول إن النصّ القانونيّ الجديد يُعرف القمار الإلكتروني بعد أن أصبح جريمةً منظّمةً تهدف لتبييض الأموال، والذي تمارسه شبكات ممتدّة حتى خارج البلاد، مع تشديد عقوباته التي تصل إلى السجن لمدة 5 سنوات.
انتشار مخيف
يأتي هذا التحرك التشريعي في ظل انتشار واسع لمنصات الرهانات غير القانونية، وسط دعوات لتشديد الرقابة لحماية النسيج الاجتماعي والمنظومة المالية.
منظمات المجتمع المدني مثل “المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك” حذّرت من الانتشار المتزايد للرهان الإلكتروني في تونس، معتبرةً إيّاه خطرًا مباشرًا يهدّد الشباب والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
يشارك لطفي الرياحي رئيس المنظمة النواب هواجسهم. وفي تصريح لـ”النهار”، دعا الرياحي إلى تعديل الإطار القانوني وتعزيز التنسيق بين الهياكل الرقابية والأمنية ومعاقبة كلّ من يُروج أو يُسهّل هذا النشاط.
كما شدد على ضرورة التسريع في إطلاق برامج وطنية للتوعية تستهدف الشباب والأولياء والمؤسسات التعليمية.
ويقول الرياحي إن الدراسات والأرقام تظهر ارتفاع نسب الإدمان على الرهان، خصوصاً لدى الشباب، ويضيف أن ذلك تنجرّ عنه من آثار نفسية واجتماعية خطيرة، مثل تراجع المستوى الدراسي، التفكك الأسري، العزلة، والضغوط المالية.
ويبقى السؤال المطروح إلى أي مدى يمكن لنص قانوني أن يكافح ظاهرةً تتغذى من التطور التكنولوجي المتسارع؟
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
