
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
حيدر الأمين
ليس سهلاً أن نكتب عن اللواء الركن الشهيد فرنسوا الياس الحاج، لأن الحديث عنه ليس استذكاراً لشخصٍ فحسب، بل مواجهة مباشرة مع سؤالٍ موجع: لماذا يُغتال القادة الذين يشبهون الدولة في لبنان؟
لم يكن فرنسوا الحاج ضابطاً عادياً في الجيش اللبناني، ولا اسماً عابراً في سجل قياداته. كان نموذجاً نادراً لقائدٍ آمن بأن الجندية رسالة، وبأن الجيش هو المساحة الوطنية الأخيرة التي يجب أن تبقى فوق الانقسام، وبعيدة عن الحسابات السياسية والطائفية. عرفه رفاقه هادئاً في حضوره، صارماً في قراره، متواضعاً في سلوكه، وحاسماً حين تفرض المسؤولية ذلك.
برز دوره الوطني والعسكري بشكل خاص خلال معركة نهر البارد عام 2007، إحدى أخطر المحطات في تاريخ الجيش اللبناني الحديث. لم تكن تلك المعركة مواجهة عسكرية فحسب، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الدفاع عن نفسها في وجه الإرهاب. وقد أدارها الشهيد بعقلٍ احترافي وإحساسٍ عميق بالمسؤولية، مثبتاً أن الجيش اللبناني قادر، متى تُرك ليقوم بواجبه، على حماية لبنان مهما كانت التضحيات.
لم تُرهب اللواء الركن فرنسوا الحاج التهديدات، ولا ضجيج الأبواق، ولا قلّة إمكانات المؤسسة العسكرية. أدرك أن قوة الجيش لا تُقاس بما يملكه من عتاد، بل بما يتمتع به من إرادة وانضباط وعقيدة وطنية، فمضى في أداء واجبه بثبات القائد الذي يعرف أن حماية لبنان لا تنتظر ظروفاً مثالية.
من هنا، لم يكن اغتياله في 12 كانون الأول 2007 حدثاً معزولاً أو جريمة عمياء، بل فعل سياسي استهدف قائداً جسّد فكرة الدولة في لحظة كان فيها كثيرون يعملون على إضعافها. قُتل لأنه آمن بجيش قوي ومستقل، ورفض أن يكون أداة أو واجهة لمشاريع لا تشبه لبنان.
من هنا أيضاً، تصبح مسؤوليتنا مضاعفة في مواجهة من يستضعفون الجيش اللبناني، ويتعاملون معه كأنه “مكسر عصا” أو أداة يمكن تطويعها للأهواء والقرارات والشهوات. فالجيش لم يكن يوماً تابعاً، ولا يقبل أن يكون كذلك، ومن يراهن على كسره إنما يراهن على كسر الدولة نفسها.
لقد أثبت الجيش اللبناني، بقياداته وضباطه وجنوده، أنه ضمان الاستقرار والوحدة الوطنية، وأن الرهان على إضعافه هو رهان على ضرب ما تبقّى من فكرة الدولة في لبنان. ومن خطّط لاغتيال فرنسوا الحاج أخطأ التقدير، لأن القادة الحقيقيين لا يُغتالون بالرصاص.
بعد سنوات على استشهاده، لا يزال اسم اللواء الركن الشهيد فرنسوا الياس الحاج حاضراً في الذاكرة الوطنية، رمزاً للقائد الذي اختار الواجب على السلامة، والوطن على الذات، والمبدأ على التسوية. والسؤال الذي يبقى مطروحاً ليس كيف نُحيي ذكراه، بل كيف نحمي القيم
التي استُشهد من أجلها؟
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
