
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
فاتن خيل
يحمل شهر رمضان المبارك في الجنوب اللّبناني طابعاً خاصاً يتجاوز كونه مناسبة دينيّة ليغدو حالة اجتماعية وروحيّة جامعة، تتقاطع فيها العادات المتوارثة مع واقع العيش المشترك الّذي يميّز هذه المنطقة.
ومع تزامن رمضان في كثير من الأعوام مع فترات الصيام عند المسيحييّن، ولا سيّما منها الصّوم الكبير، يكتسب هذا الشّهر بعداً إضافيّاً يعكس عمق التلاقي الإنساني والديني في الجنوب، حيث تتجاور المساجد والكنائس، وتتداخل الطّقوس اليوميّة في مشهد واحد من الاحترام المتبادل.
في القرى والبلدات الجنوبيّة، يبدأ رمضان بهدوء مهيب يلفّ الشّوارع مع غروب الشّمس، حيث تعلو أصوات الآذان إيذاناً بالإفطار، وتستعيد البيوت طقوسها الرمضانيّة التقليديّة. تجتمع العائلات حول موائد بسيطة رغم الظّروف الاقتصاديّة الصّعبة، ويحرص الأهالي على الحفاظ على عادات متوارثة، من تبادل أطباق الطّعام بين الجيران إلى استقبال الأقارب والأصدقاء في أمسيات تمتدّ من الإفطار حتّى السّحور. وتبقى المساجد مركزاً أساسيّاً للحياة الرمضانيّة، حيث تزدحم بصلاة التّراويح والقيام، ويجد النّاس في هذه الطّقوس متنفّساً روحيّاً يعينهم على تحمّل أعباء الحياة اليوميّة.
في مدن الجنوب، كصيدا والنبطيّة وصور، يأخذ رمضان بعداً أكثر حيويّة، إذ تنشط الأسواق الشّعبيّة بعد الإفطار، وتضاء الشّوارع بزينة متواضعة تعكس فرحاً هادئاً لا يخلو من الوقار. ويظلّ مدفع رمضان في النبطيّة أحد أبرز الرموز التراثيّة التي تختصر علاقة الجنوبيين بالشهر الفضيل، إذ لا يزال صوته يعلن موعد الإفطار والإمساك، رابطاً الحاضر بالماضي، ومذكّراً بأيّام كان فيها هذا الصّوت جزءاً من الذاكرة الجماعية لأهل المدينة والقرى المجاورة.
وفي موازاة هذه الأجواء الاسلاميّة، يعيش المسيحيّون في الجنوب فترة صيامهم بعمق روحي مماثل، حيث يشكّل الصوم الكبير زمناً للتقشّف والصلاة والتأمل، استعداداً لعيد القيامة.
ورغم اختلاف طبيعة الصيام بين الديانتين، من حيث التوقيت أو نوع الامتناع، إلاّ أن الجوهر يبقى واحداً، يتمثّل في تهذيب النفس، والتخفّف من الماديات، وتعزيز قيم المحبّة والعطاء. ويظهر هذا التوازي جلياً في الحياة اليوميّة، بحيث يراعي المسيحيّون خصوصيّة الصيام الإسلامي، فيما يبادلهم المسلمون الاحترام ذاته، في صورة تعكس ثقافة العيش الواحد التي لطالما تميّز بها الجنوب اللبناني.
هذا التداخل بين الصيامين لا يبقى محصوراً في الإطار الديني، بل ينعكس على المستوى الاجتماعي والإنساني، إذ تشهد القرى المختلطة مظاهر تضامن لافتة، من مشاركة في موائد إفطار، إلى مبادرات خيرية يساهم فيها المسلمون والمسيحيون على حد سواء. وفي ظلّ الأزمات المتلاحقة التي مرّ بها الجنوب، من حروب واعتداءات وصعوبات اقتصاديّة، تحوّل رمضان والصيام المسيحي الى مناسبة لتجديد روح الصّمود، إذ يصرّ الأهالي على الاحتفال بالشّهر بروحه الحقيقية، بعيداً من المظاهر، وقريباً من جوهره القائم على التكافل ومساندة المحتاجين.
وتبرز في هذا السياق المبادرات الاجتماعية التي تتكثف خلال الشهر، من توزيع مساعدات غذائيّة، إلى تنظيم إفطارات جماعيّة وخصوصاً في القرى المتضرّرة أو الحدوديّة، حيث يحمل الإفطار معنى يتجاوز الطعام،
ليصبح فعل تحدّ وتمسّك بالحياة. وفي كثير من الأحيان، يشارك مسيحيّون في هذه المبادرات، سواء بالتنظيم أو الدعم، في رسالة واضحة مفادها أن الصيام، مهما اختلفت أشكاله، هو مساحة مشتركة للقيم الإنسانية.
وفي قرية حدودية جنوبيّة تأثرت بالحوادث الأخيرة، يصف شاب متطوع في إحدى المبادرات المحليّة، معنى الإفطارات الجماعيّة خلال رمضان بقوله: “نحن ما عم نفطر بس لنشبع، عم نفطر لنقول إنو بعدنا هون. لما بتشوف مسلم ومسيحي قاعدين على نفس الطاولة، بتحسّ إنو الجنوب بعدو بخير”. ويعتبر أن المشاركة المسيحيّة في تنظيم هذه المبادرات أعطتها “قيمة معنويّة كبيرة.”
من جهتها، تتحدّث معلّمة من إحدى القرى المختلطة في قضاء مرجعيون، عن تزامن رمضان مع الصّوم الكبير، معتبرة أنّ هذه الفترة “تحمل روحاً واحدة رغم اختلاف الطقوس”.
تقول: “نحن بالصّوم منخفّف الأكل ونكثّف الصلاة، وإخوتنا المسلمين بصومهم يعيشوا الشيء نفسه تقريباً. الجو العام بيدفعنا كلنا نكون أهدأ وأقرب لبعض”. وتضيف أن احترام أوقات الصيام متبادل في القرية، “وما في أي إحساس بالفصل بين الناس”.
وهكذا، يبدو شهر رمضان في الجنوب اللّبناني، حين يتقاطع مع صيام المسيحيين، أكثر من مجرّد تزامن زمني، إذ يتحوّل إلى مناسبة تعكس وحدة المجتمع في تنوّعه، وتؤكد أنّ الأديان، في لحظاتها الروحيّة الكبرى، تلتقي عند قيم واحدة، أساسها الصبر، والمحبّة، واحترام الآخر.
وفي جنوبٍ اعتاد أن يواجه التحديات بروح جماعيّة، يبقى هذا التلاقي الرمضاني شاهداً حيّاً على أن الإيمان، حين يقترن بالإنسانية، يصنع فسحة أمل مشتركة لأبناء الأرض الواحدة وسط كل الصعوبات.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
