
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
جرجس منير حنا- مصر
في الفترة الأخيرة، أصبحت القضايا الاجتماعية تظهر بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الناس يتفاعلون معها بشكل كبير وسريع. بعض هذه القضايا مهم وحقيقي ويحتاج إلى نقاش جاد، لكن بعضها الآخر أخذ حجمًا أكبر من حجمه الطبيعي. واللافت أن كثيرًا من هذه القضايا ليست جديدة، بل كانت موجودة منذ زمن، وربما كانت تحدث بصورة أشد وأوضح في الماضي، لكنها لم تكن تُعرض بهذا الشكل الواسع كما يحدث اليوم.
وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت بشكل جذري طريقة فهمنا للواقع والتفاعل معه. ففي الماضي كانت الأخبار والمشكلات تصل إلى الناس عبر الصحف أو التلفزيون، وكانت عملية نقل المعلومات محدودة ومركزة في يد المؤسسات الإعلامية. أما اليوم، فأي شخص يمكنه أن ينشر حدثًا أو رأيًا ويصل إلى آلاف أو ملايين الناس في لحظات قليلة. هذه الحرية في التعبير تُعد أمرًا إيجابيًا ومهمًا، لأنها أعطت صوتًا للناس العاديين، ولم يعد التعبير عن الرأي حكرًا على المؤسسات أو النخب الفكرية، بل أصبح لكل فرد منصة ينطلق منها ليعرض رؤيته الخاصة ويشارك في تشكيل الرأي العام.
غير أن هذه الحرية الرقمية، على الرغم من أهميتها، أطلقت سيلًا واسعًا من المعلومات والانفعالات والرؤى غير المنقحة، ما جعل الفضاء الرقمي مكانًا تتداخل فيه الحقيقة مع الوهم، والمعرفة مع الشائعة، والتأمل مع الاندفاع. ومع هذا التدفق الهائل للمحتوى، أصبح من الصعب التمييز بين الخبر الصحيح والرواية المضللة، وبين الرأي الشخصي والمعرفة المبنية على حقائق، الأمر الذي غيّر طبيعة النقاش العام وجعل فهم الواقع أكثر تعقيدًا وتشوشًا.
ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، أصبح تأثير السوشيال ميديا أقوى وأعمق. فالخوارزميات تحدد لنا ما نراه على الشاشة، وتعرض لنا الأخبار والمواضيع التي تتوقع أننا سنتفاعل معها أكثر. لذلك، قد تظهر بعض القضايا بشكل متكرر حتى نشعر أنها هي أهم ما يحدث في المجتمع، بينما يتم تجاهل قضايا أخرى ربما تكون أخطر وأهم.
و الذكاء الاصطناعي لا يعرض الواقع كما هو، بل يعرض نسخة مختارة منه.
هذا التداخل بين السوشيال ميديا والذكاء الاصطناعي خلق حالة جديدة من الحرية في التعبير، لكنه في الوقت نفسه سبب ارتباكًا في الأفكار والرؤى. أصبح الناس يتفاعلون بسرعة وبشكل عاطفي مع الأحداث، دون أن يكون لديهم وقت كافٍ للتفكير أو التحقق من المعلومات. تنتشر المقاطع القصيرة والصور المؤثرة بسرعة، وتدفع الناس إلى الغضب أو التعاطف أو الهجوم، حتى قبل أن تتضح الحقيقة كاملة.
نحن اليوم نعيش في زمن الانفعال السريع. العاطفة أصبحت تقود كثيرًا من النقاشات، وأحيانًا تُستخدم لتوجيه الرأي العام. عندما تُعرض الأحداث بطريقة معينة، يمكن أن تتشكل مواقف الناس دون وعي منهم، لأن ما يرونه على الشاشة يؤثر في مشاعرهم وأفكارهم بشكل مباشر.
لهذا السبب، من المهم أن نتوقف ونفكر بهدوء. يجب أن نحاول فهم ما نراه، وألا ننجرف وراء كل ما يظهر في وسائل التواصل. علينا أن نستخدم عقلنا النقدي، وأن نفرّق بين الواقع الحقيقي والواقع الذي تصنعه الخوارزميات، وبين الخبر الصحيح والرواية التي تهدف إلى إثارة التفاعل فقط.
الذكاء الاصطناعي والسوشيال ميديا ليسا شيئًا سلبيًا بالكامل، بل هما أدوات قوية يمكن استخدامها للخير أو للشر. المشكلة أيضًا ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها وفي وعي الناس بها. إذا فقد المجتمع قدرته على التفكير والتحليل، يصبح سهل التأثير والتوجيه، حتى لو كان يعتقد أنه حر.
في النهاية، يبقى الإنسان هو المسؤول الأول. عليه أن يكون واعيًا، وألا ينجرف وراء العاطفة المصنوعة، وأن يبحث عن الحقيقة بهدوء. الحرية الحقيقية ليست فقط في أن نتكلم وننشر، بل في أن نفكر بعمق، وأن نميز بين الضجيج والحقيقة، وأن نحافظ على إنسانيتنا في عالم سريع تصنعه الخوارزميات وتعيد تشكيل وعينا كل يوم.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.