
نقدم لكم زوارنا الكرام أحدث الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة عبر جريدة هرم مصر، لنضعكم دائمًا في قلب الحدث.
انعقد اجتماع التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في الرياض، الاثنين، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تزامنت مع تحولات ميدانية وسياسية متسارعة في سوريا والعراق، ومع تصاعد لافت لنشاط التنظيم خارج ساحته التقليدية. وقد شكّل الحضور السوري المباشر تطوراً لافتاً، إذ وضع دمشق داخل النقاش الدولي بشأن مستقبل مكافحة التنظيم، لا بوصفها ساحة عمليات فحسب، بل طرفاً حاضراً في مقاربة المرحلة المقبلة.
ركّز البيان الختامي على جملة ملفات أساسية، أبرزها التأكيد أن خطر “داعش” لا يزال قائماً، وضرورة استمرار التنسيق الدولي، إضافة إلى ملفات السجون والمخيمات ونقل المعتقلين ومنع عودة التنظيم عبر الخلايا النائمة. المخرجات لم تتعامل مع “داعش” كملف منجز، بل أعادت تثبيت فكرة أن التهديد مستمر، وأن إدارة المرحلة الحالية لا تزال مفتوحة وغير محسومة، أكثر مما تشير إلى انتقال نحو استقرار أمني نهائي.
“داعش” خارج سوريا
يتقاطع هذا التقييم مع التقرير الأممي الأخير الذي حذّر من أن التنظيم لم يدخل مرحلة الانهيار، بل أعاد تكييف نشاطه جغرافياً وعملياتياً. فقد سجّلت الأسابيع الماضية تصاعداً في عمليات فروعه في أفريقيا وجنوب آسيا، شمل هجمات نوعية على منشآت حساسة، بينها مطارات، إضافة إلى عمليات ذات طابع طائفي، كما في التفجير الذي استهدف مصلّين شيعة في باكستان. هذه الوقائع تعزّز قراءة مفادها أن التنظيم لا يزال يمتلك قدرة على المبادرة، وأنه يستفيد من الفراغات السياسية والأمنية في مناطق النزاع أو في البيئات التي تشهد انتقالاً في موازين القوى.
السجون والمخيمات
في سوريا، يبرز ملف السجون والمخيمات بوصفه إحدى أكثر القضايا تعقيداً. فقد تزامن اجتماع الرياض مع تسارع عمليات نقل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق، إذ أعلنت بغداد استلام نحو 4583 معتقلاً حتى الآن، في عملية تجري بالتنسيق مع التحالف الدولي.
في المقابل، يظل وضع المخيمات، ولا سيما مخيم الهول، أكثر إرباكاً. فإلى جانب خروج مئات العائلات خلال الأشهر الماضية، انتشرت مقاطع مصوّرة تُظهر دخول مقاتلين أجانب إلى المخيم لإخراج عائلات وسحبها باتجاه الشمال السوري، ما يثير أسئلة جدية بشأن مستوى الضبط وحدود السيطرة الفعلية على الأرض.
اللافت هو تبدّل الخطاب الدولي حيال المخيم. فبينما كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه حاضنة للتطرّف و”قنبلة موقوتة”، بدأت تتشكّل رواية مختلفة بعد انتقال إدارة الملف من “قوات سريا الديموقراطية” (قسد) إلى دمشق، ترى أن عدداً من المحتجزين فيه قد يكونون ضحايا تصنيفات جماعية، أو أُدرجوا ضمن ملف “داعش” لأسباب سياسية أو أمنية لا ترتبط بالضرورة بانتماء فعلي للتنظيم. هذا التحوّل لا يسمح بالجزم بموقف التحالف، لكنه يفتح احتمالين متوازيين: إما أن المخيم لا يزال يُنظر إليه كخطر مؤجّل، أو أن تحميل الدولة السورية عبء إدارته بات يُعد مخرجاً عملياً من ملف طال أمده وتعقّد سياسياً وإنسانياً.
الوجود الأميركي
يتقاطع هذا كله مع تحركات ميدانية أميركية تشير إلى تقليص أو إعادة تموضع في بعض القواعد داخل سوريا، ولا سيما في الشدادي والتنف. ورغم غياب إعلان رسمي عن انسحاب كامل، فإن الوقائع الميدانية — تفريغ قواعد، نقل معدات، خفض الوجود — تجعل من الصعب فصل هذه التحركات عن نقاش أوسع حيال مستقبل الدور الأميركي في سوريا. وتزامن هذه الخطوات مع تسريع نقل معتقلي “داعش” إلى العراق يوحي بأن واشنطن تسعى إلى تفكيك الملفات الأكثر حساسية قبل أي خفض كبير لوجودها العسكري، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إعلاناً سياسياً عن انسحاب شامل.
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يحضر اجتماع المدراء السياسيين للتحالف الدولي لمواجهة تنظيم داعش. (سانا)
العراق كعامل إقليمي إضافي
في العراق، يبرز ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء كعامل إضافي في تعقيد المشهد. فإلى جانب الذاكرة القريبة المرتبطة بمرحلة الانسحاب الأميركي وصعود “داعش”، تثير عودته المحتملة تساؤلات بشأن اتجاه العلاقة مع واشنطن، في ظل مواقف أميركية متحفّظة عليه، وارتباط اسمه بتعاظم النفوذ الإيراني في بغداد. هذه المعطيات لا تعني تغييراً فورياً في سياسات العراق، لكنها تضع ملف مكافحة “داعش” والتنسيق مع التحالف الدولي ضمن بيئة سياسية أكثر حساسية، خاصة إذا تزامنت مع تقليص الوجود الأميركي في سوريا والمنطقة.
بين مسارين
ما يميّز اجتماع الرياض ليس فقط توقيته، بل موقعه بين مسارين لم يستقرا بعد: مسار دولي يسعى إلى إعادة ضبط مقاربة مكافحة “داعش” بعد سنوات من التركيز العسكري، ومسار إقليمي يشهد إعادة ترتيب للأدوار والوجودات والنفوذ. المشاركة السورية في هذا السياق لا تعني اكتمال انتقال سياسي أو أمني، بل إدخال دمشق إلى نقاش مفتوح حيال إدارة ملفات شديدة الحساسية، من السجون والمخيمات إلى الحدود والفراغات المحتملة. ومع تصاعد نشاط “داعش” خارج ساحته التقليدية، وتحوّل بعض ركائز الاستقرار السابقة إلى موضع مراجعة، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كان التنظيم قد هُزم، بل أي صيغة ستُدار بها مرحلة ما بعد الاحتواء، ومن سيملك القدرة على منع تحوّل الفجوات الجديدة إلى فرصة لعودته.
ابقوا معنا عبر جريدة هرم مصر لمتابعة أحدث المستجدات فور وقوعها من مصادرها الرسمية.
